الفيدرالية وصلاحيات الرئيس في الأنظمة المقارنة: قراءة تحليلية بين الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا والعراق وإقليم كردستان
بقلم: الدكتور أنور أبو بكر كريم الجاف
تشكّل الفيدرالية إحدى أكثر البنى الدستورية تعقيدًا في العالم المعاصر، إذ تتوزع فيها السلطات بين دولة اتحادية مركزية وكيانات محلية ذات شخصية دستورية مستقلة. وتبرز أهمية هذا التوزيع عند دراسة الصلاحيات التنفيذية، ولا سيما صلاحيات الرئيس، وحدود السلطة الجنائية، وكيفية تشكّل المنظومات القانونية داخل الدولة الواحدة. وفي هذا المقال، نقفُ وقفةً مقارنة بين خمسة نماذج مختلفة: الولايات المتحدة، ألمانيا، سويسرا، العراق، وإقليم كردستان داخل العراق، لنبين مكامن الائتلاف والاختلاف بينها.
أولًا: الفيدرالية الأمريكية، منظومة جنائية مزدوجة وصلاحيات رئاسية محصورة .
تُعدّ الولايات المتحدة المثال الأوضح على الفيدرالية العميقة؛ إذ تتكوّن من خمسين ولاية، لكل منها دستورها وقانونها الجنائي ومحاكمها وإجراءاتها. ويُضاف إليها القانون الجنائي الاتحادي، فتتشكل واحد وخمسون منظومة جنائية مستقلة.
ولهذا جاءت قاعدة التعديل العاشر واضحة: “كل ما لم يُمنح للحكومة الفدرالية صراحةً يبقى محفوظًا للولايات.”
ومن هنا تقيّدت صلاحيات الرئيس الأمريكي؛ فهو رئيسٌ للاتحاد لا للولايات. ولذلك يملك العفو عن الجرائم الفدرالية فقط، بينما يختص حكّام الولايات بالعفو عن الجرائم المحلية. كما لا يستطيع الرئيس التدخل في قوانين الولايات أو تعديل أنظمتها الجنائية، لأن السيادة الداخلية للولايات جزء من بنيتها الدستورية.
هذه الصورة تُظهر أن الفيدرالية الأمريكية ليست توزيعًا إداريًا بسيطًا، بل هي ازدواجية كاملة للمنظومة الجنائية، وهذا ما يجعل توقيع الرئيس على قانون يصدر من الكونغرس خطوة لازمة، ولكنه ليس مشرِّعًا منفردًا.
ثانيًا: الفيدرالية الألمانية ، وحدة التشريع وازدواجية الإدارة .
في ألمانيا، على الرغم من كونها دولة اتحادية، إلا أنّ قانون العقوبات موحّد (StGB)، وتتولى الولايات تنفيذَه ضمن سلطة إدارية واسعة. فالولايات تمتلك شرطة محلية، ونيابات عامة، ومحاكم خاصة، لكنّ التشريع الجنائي يبقى اتحاديًا، ما يمنح النظام توازنًا دقيقًا بين وحدة النص وتعدّد جهة التنفيذ.
أمّا سلطة الرئيس الألماني، فهي بروتوكولية غالبًا، ولا يملك دورًا تنفيذيًا مباشرًا، ويُنتخب المستشار الاتحادي من البرلمان وفق نظام برلماني صِرف، يجعل المسؤولية السياسية بيد الحكومة والبرلمان، لا بيد الرئيس.
ثالثًا: الفيدرالية السويسرية – أعمق درجات اللامركزية مع وحدة مركزية رصينة
الاتحاد السويسري هو النموذج الأكثر اكتمالًا في اللامركزية الفيدرالية؛ فالكانتونات تمتلك صلاحيات واسعة جدًا في التشريع المحلي، والتعليم، والثقافة، والجباية، والتنظيم الإداري. ومع ذلك، فإن قانون العقوبات سويسري واحد يُطبَّق على كامل الاتحاد.
الصلاحيات التنفيذية موزعة على مجلس فدرالي جماعي مكوَّن من سبعة أعضاء، دون وجود رئيس قوي. وهذه البنية تجعل الفيدرالية السويسرية قائمة على الديمقراطية التوافقية، وتحدّ من فكرة السلطة المركزية الفردية.
رابعًا: العراق ، اتحادية دستورية لم تكتمل ملامحها.
الدستور العراقي عام 2005 نصّ صراحة في مادته الأولى على أن العراق “دولة اتحادية”، غير أن التطبيق العملي ما زال يميل إلى المركزية في أغلب الملفات، خصوصًا في المجال الجنائي والقضائي.
فقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 ما زال نافذًا على جميع أراضي العراق، بما فيها إقليم كردستان، ولم تُنشأ منظومة جنائية إقليمية مستقلة.
كما أن رئيس الجمهورية في العراق يملك العفو الخاص بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية، وهو أقرب إلى النموذج البرلماني، حيث تتركّز السلطة التنفيذية بيد رئيس الوزراء.
خامسًا: إقليم كردستان – فيدرالية جزئية في ظل قانون اتحادي .
يمتلك إقليم كردستان إطارًا دستوريًا يسمح له بصياغة قوانين محلية وتعديل القوانين الاتحادية في بعض المجالات، وفق المادة (121) من الدستور. لكنّه لم يُنشئ بعد قانون عقوبات إقليميًا منفصلًا، كما هو الحال في أمريكا.
السلطة التنفيذية في الإقليم تمارس صلاحيات واسعة في التنظيم الإداري، والشرطة (الآسايش)، وبعض قوانين الموظفين، والصحافة، والاستثمار، لكنها تبقى مقيّدة بالقانون الجنائي الاتحادي وبالاختصاصات الحصرية للاتحاد.
وهكذا تظهر فيدرالية سياسية وإدارية دون اكتمال الفيدرالية الجنائية التي تُعدّ معيارًا أساسيًا في الأنظمة الاتحادية العميقة.
نحو فهم أدق للفيدرالية وحدود السلطة
تُبرز المقارنة أنّ الفيدرالية ليست قالبًا واحدًا، بل هي نماذج متعددة:
١- الولايات المتحدة: فيدرالية جنائية وسياسية كاملة، وصلاحيات رئاسية محددة بحدود الاتحاد، مع منظومتين جنائيتين (فدرالية + ولائية).
٢- ألمانيا: فيدرالية بوحدة تشريعية جنائية، وتوزيع إداري واسع، وصلاحيات رئاسية بروتوكولية في ظل نظام برلماني صرف.
٣- سويسرا: فيدرالية بلامركزية عميقة، مع وحدة قانون العقوبات، ونظام تنفيذي جماعي يحدّ من السلطة الفردية.
٤- العراق: اتحادية دستورية لم تكتمل ملامحها؛ إذ ما زال التطبيق يميل إلى المركزية، خصوصًا في المجالين الجنائي والقضائي.
٥- إقليم كردستان: فيدرالية سياسية–إدارية جزئية داخل الدولة الاتحادية، مع إمكانية تطوير منظومة جنائية مستقلة مستقبلًا، استنادًا إلى المواد (115) و(121) من الدستور العراقي.
