التأمين ضد المخاطر السيبرانية بين الفراغ التشريعي في العراق وتحديات الذكاء الاصطناعي
بقلم: المحامي الدكتور عمار ضميم الزيدي
كلية القانون - جامعة الهادي
يشهد العراق، كما غيره من دول العالم، تحولاً متسارعاً نحو الرقمنة، سواء في القطاعات المصرفية والتجارية أو في المهن الحرة والخدمات الطبية. ورغم ما يوفره هذا التحول من مزايا، إلا أنه فتح الباب أمام مخاطر سيبرانية جديدة، من اختراق الأنظمة وتسريب البيانات، إلى الهجمات التي تعطل الخدمات الحيوية.
في هذا السياق، يبرز التأمين ضد المخاطر السيبرانية كأداة أساسية لحماية الأفراد والشركات. غير أن البيئة القانونية العراقية ما زالت تعاني من فراغ تشريعي واضح:
فـ القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 نظم عقد التأمين في مواده (983–1033)، لكنه لم يضع قواعد خاصة بالتأمين السيبراني.
وقانون تنظيم أعمال التأمين رقم 10 لسنة 2005 ركّز على التأمينات التقليدية (الحريق، الحياة، الصحة...) دون إدراج هذا النوع الجديد.
أما قانون مكافحة جرائم المعلوماتية فما يزال مشروعاً لم يُقَر، مما يجعل معالجة الأضرار السيبرانية معتمدة على اجتهادات قضائية تستند إلى نصوص عامة في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 (مثل جرائم التهديد والاحتيال).
لكن المعضلة لا تقتصر على الهجمات الإلكترونية التقليدية، بل تمتد إلى المسؤولية عن استخدام الذكاء الاصطناعي في المهن. ففي المجال الطبي مثلاً، بدأت بعض المؤسسات تعتمد برامج الذكاء الاصطناعي في التشخيص أو تحليل الصور الطبية. هنا يطرح السؤال: إذا وقع خطأ في التشخيص أو تسبب النظام في ضرر للمريض، من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب؟ الشركة المطورة للنظام؟ أم المؤسسة الصحية؟
في دول مجاورة مثل الإمارات، عولجت هذه التحديات بشكل أكثر وضوحاً؛ إذ صدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لسنة 2012، كما تم تبني استراتيجية وطنية للأمن السيبراني واستراتيجية للذكاء الاصطناعي، مما شجع شركات التأمين على طرح وثائق تغطي المخاطر الإلكترونية والمسؤولية عن استخدام الأنظمة الذكية.
أما في العراق، فإن غياب الإطار التشريعي الخاص يجعل التأمين السيبراني والمهني أمام تحديات كبيرة، إذ يصعب على شركات التأمين تصميم وثائق تغطي الأضرار الناشئة عن الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي أو غيره، في ظل غياب توصيف قانوني دقيق للمسؤولية.
من هنا، فإن تحديث التشريعات العراقية بات ضرورة ملحة، عبر:
1. إقرار قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لتوصيف الأضرار السيبرانية.
2. تعديل قانون تنظيم أعمال التأمين (2005) لإدماج التأمين السيبراني والتأمين عن مخاطر الذكاء الاصطناعي.
3. وضع نصوص خاصة في القانون المدني أو قوانين المهن الطبية لتحديد المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن الأنظمة الذكية.
إن الاعتماد الحالي على نصوص تقليدية من قانون العقوبات قد يسد فراغاً مؤقتاً، لكنه لا يكفي لمواكبة التطور التكنولوجي. فالتأمين السيبراني، والتأمين ضد مخاطر الذكاء الاصطناعي خصوصاً في المجالات المهنية والطبية، أصبحا خط دفاع ضروري لحماية الاقتصاد الرقمي وضمان حقوق المتضررين.
