الحلف بالطلاق بدعة سياسية
بقلم: المحامي أسامة عبد الكريم الحديثي
الحَلِف بالطلاق أمر أُحدث في الدولة الأموية فإنَّ أولَ من رتَّبَ هذه الأيمان في البيعة هو الحجاج بن يوسف على ما ذكره الفقهاء في كتبهم، وتحليفه النــــــــــاس له بــأيمان البيعة ــ الطلاق والعتاق وصدقة المال ــ وكان ذلك إرضاءً لأهواء الملوك والأمراء في أمر البيعة وخشية الخيانة، فلم يجد اليمين بالله كافيا فصار يأخذ العهود على الرعية بأيمان -هي في زعمه- مغلظة ومنها الحلف بالطلاق، ولا ريب أنَّ السلف لم يكونوا يُحلِّفونَ أحدًا بطلاق، ولا عتاق، ولا ظهار، ولا حرام، ولا نذر، وغير ذلك من الأيمان التي أحدثها الحجاج ومن بعده بتحليف الناس بها، بل أحدث بعض قضاة الحنفية تحليفَ الناس أيمانَ الحكمِ بالطلاقِ، مع أنَّ هذه بدعةٌ لم تُعْرَف عن أحد من السلف فليس للحاكم أن يُحلِف الناس إلا باسم الله. وتلقفَ الناس هذه الصيغة وجرت على ألسنهم فصارت أمراً شائعاً عمت به البلوى، يتحدث به في مجلس السلطان وفي غيره ومن ذلك ما (رُوي عن سعيد بن الرَّحْمَن حين دخل ليخبره عن رؤيا رآها في الخليفة المهدي فقَالَ لَهُ الْمهْدي: كيف نعرف، إن كنت صادقا في رؤياك؟ قَالَ: أحلف للخليفة بِالطَّلَاق أَنِّي قَدْ صدقتُ، فأمَرَ لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم) الأمر الذي حمل الفقهاء على أمعان النظر فيها وبحثها بحثا فقهيا فوقع بينهم النزاع من جهة مشروعية وتكييفها الشرعي، -ونسوا أنها بدعة سياسية لا ترتقي أن تكون محلاً للبحث أو النزاع -.
فمن حيث المشروعية اختلفوا على ثلاثة أقوال:
الأول: يلزمه الطلاق وهذا اختيار المالكية، والأحناف، والشافعية، والحنابلة، وهم في ذلك أرادوا الاحتياط في الحل والحرمة وحرصا على الأنساب، ولو أردنا أن نبحث احتياطهم هذا بحثا نظرياً صرفاً لوجدنا أن الاحتياط هو في عدم وقوع الطلاق، لأن المحظور في ذلك -على فرض خطأ هذا القول- هو معاشرة رجل لامرأة تحرم عليه، وهو بذلك محظوراً واحداً، أما الفتوى بإيقاع هذا الطلاق -على فرض خطأه- ففيه أربعة محظورات: تحريم المرأة لزوجها، وإباحة زواجها من آخر وهي في عصمة الأول، ومعاشرة رجل لمرأة ذات زوج، ومعاشرة امرأة لرجل محرم عليها لبطلان زواجها. فالفتوى بعدم وقوع الطلاق هو اختيارُ أخف الضررين، وبه الاحتياط بداهةً. ولكنهم فهموا أن الاحتياط دائما هو إيقاع الطلاق ولو بالشبهة.
الثاني: لا يلزمه طلاق ولا غيره وهو اختيار الإمامية، وابن حزم، والإباضية، لأن ذلك ليس هو الطلاق الذي قررته الشريعة لا بصيغته ولا بكيفيته فلا طلاق إلا كما أمر الله عز وجل ولا يمين إلا كما أمر الله عز وجل على لسان رسوله (عليه السلام).
الثالث: إنْ قصدَ به اليمين فهي يمين ملزمة وعليه كفارتها، وإن قَصدَ الطلاق فهو طلاق، وقد أخذت بهذا الرأي بعض القوانين العربية.
وأما من حيث التكييف الشرعي:
فمنهم من عده طلاقاً موصوفاً، ومنهم من جعله كلاماً لغواً لا يرتب أثراً، ومنهم من جعل المرجع في ذلك إلى نية المتكلم إن قصد به اليمين فهو يمين وتلزمه كفارة اليمين، وإن قصد به طلاقا فهو طلاق.
وقد أختار المشرع العراقي في قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 مذهب الإمامية ومن حذا حذوهم في عدم وقوع الطلاق بصيغة اليمين (م 36) فرفع القانون العراقي عن أعناق الناس نِيراً كان يرهقهم ولا يجدون لدفعه سبيلا، وكذلك نصت مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري ملحق القانون رقم (1) لسنة 2025 المادة (119) "يشترط في صحة الطلاق: ثانيا: التنجيز: فلو علق الطلاق على أمر مستقبلي معلوم الحصول أو متوقع الحصول أو أمر حالي محتمل الحصول بطل"، واستقر القضاء العراقي على عدم قبول أو سماع دعوى الطلاق غير المنجز أو دعوى تصديقه، وهكذا قوانين الأحوال الشخصية العربية بين موافق لما ذهب إليه المشرع العراقي كالقانون العماني والقطري والمغربي، ومتوقف على قصد الحالف ونيته كالقانون الأردني في المادة 89 منه (لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد منه الحمل على فعل شيء أو تركه) ومثله القانون الإماراتي والسوري وغيرها.
ورغم أن القوانين قد حسمت النزاع ورفعت الخلاف، وعموم المحققين من أهل العلم استقر رأيهم على عدم وقوعه، إلا أن الحلف بالطلاق لا يزال يتردد على ألسنة الناس. تلك البدعة السيئة التي انتقلت من السياسة إلى الديانة ومثيلاتها، تثبت لنا وبلا ريب أن السياسة إذا دخلت في الديانة أفسدت على الناس ديانتهم.
