حدود سلطان الإرادة في مواجهة القواعد الآمرة
بقلم: المحامي مصطفى شريدة الجبوري
يعد مبدأ سلطان الإرادة من المبادئ الأساسية في الفقه المدني، ومن الركائز التي قامت عليها النظرية العامة للعقد. وهو مبدأ فلسفي قديم نشأ في ظل الفكر الفردي الذي ساد أوروبا في القرن الثامن عشر، حيث كانت الحرية الفردية هي الأساس الذي تبنى عليه العلاقات القانونية والاقتصادية والاجتماعية. وقد تأثر هذا المبدأ بفلسفة الحرية التي نادت بها حركة التنوير وبمبادئ الثورة الفرنسية التي رفعت شعار "الحرية والمساواة والإخاء"، معتبرة أن الفرد هو محور النظام القانوني، وأن إرادته الحرة هي المصدر الرئيس للالتزام.
إن مبدأ سلطان الإرادة يقوم على فكرة جوهرية مفادها أن الأفراد أحرار في التعاقد، فلهم أن يبرموا من العقود ما يشاؤون، وأن يضعوا من الشروط ما يرونه مناسبا لتحقيق مصالحهم، ما دام هذا لا يمس النظام العام أو الآداب العامة. وبذلك، تكون إرادة المتعاقدين هي التي تنشئ الالتزام وتحدد مضمونه، بينما يقتصر دور القانون على ضمان تنفيذ ما اتفق عليه الطرفان، في ضوء القاعدة المشهورة العقد شريعة المتعاقدين المنصوص عليها في المادة (146/1) من القانون المدني العراقي.
لقد عبر الفيلسوف جان جاك روسو عن هذه الفكرة في كتابه "العقد الاجتماعي" بقوله: "الإنسان يولد حرا، ولكنه في كل مكان مكتل بالقيود". فالنظام الاجتماعي - في نظره - يقوم على اتفاق حر بين الأفراد، وهو انعكاس لإرادتهم الجماعية. أما أفلاطون، فقد أشار في "الجمهورية" إلى أن الحرية الفردية يجب أن تكون منسجمة مع خير المدينة، وأن العدالة لا تتحقق إلا حين يطيع الفرد القانون طواعية. ومن خلال هذه التصورات، يتضح أن الحرية الفردية هي الأصل، ولكنها حرية منضبطة بالعقل والعدالة والنظام.
وقد تبنى الفقه القانوني هذه الفلسفة في بناء النظرية الحديثة للعقد، حيث غد العقد تجسيدا لإرادة الأفراد في إنشاء الروابط القانونية. فالإرادة الحرة، متى كانت واعية ومشروعة، تنتج التزاما يجب احترامه وتنفيذه. وهكذا أصبحت الإرادة هي مصدر الإلزام في العلاقة التعاقدية، وأضحى القانون وسيلة لضمان احترام هذه الإرادة وتنفيذها.
غير أن التطور الاجتماعي والاقتصادي كشف عن قصور هذا المبدأ في بعض المجالات. فالفكر الفردي الذي انبنى عليه مبدأ سلطان الإرادة كان يتجاهل فكرة التضامن الاجتماعي، إذ انصب اهتمامه على حماية مصلحة الفرد دون النظر إلى المصلحة الجماعية. ومع اتساع النشاط الاقتصادي، وظهور تفاوت واضح في القوة الاقتصادية بين المتعاقدين، أصبح من الضروري تدخل المشرع لإعادة التوازن بين الأطراف، ولحماية الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية. وهكذا بدأ مبدأ سلطان الإرادة يفقد طابعه المطلق، وتقلص نطاقه بفعل توسع دائرة القواعد الأمرة.
فالقواعد الأمرة هي تلك التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، لأنها تمثل الأساس الذي يقوم عليه النظام القانوني والاجتماعي. وهي تهدف إلى حماية المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية، وإلى صون الأخلاق والنظام العام ومخالفة هذه القواعد تجعل العقد أو الشرط باطلا بطلانا مطلقا. أما القواعد المكملة، فهي التي تطبق في حال سكت المتعاقدان عن تنظيم مسألة معينة، ويجوز الاتفاق على استبعادها أو تعديلها لأنها وضعت لمصلحة الأفراد لا للمصلحة العامة.
ويتضح الفرق بين القواعد الآمرة والمكملة من خلال معيارين أساسيين أولهما المعيار اللفظي أو الشكلي، إذ تصاغ القاعدة الأمرة عادة بألفاظ تدل على الإلزام مثل "يجب" أو "لا يجوز"، أو يصرح فيها ببطلان ما يخالفها. أما القواعد المكملة فتصاغ بصيغة الجواز أو التخيير. وثانيهما المعيار المعنوي أو الموضوعي الذي يعتمد على طبيعة المصلحة التي تحميها القاعدة، فإن كانت تتصل بالنظام العام أو بالمصلحة العامة كانت أمرة، وإن كانت تتعلق بمصلحة خاصة للأفراد كانت مكملة أو مفسرة.
وقد تناول القانون المدني العراقي هذه المسألة بوضوح، حيث نصت المادة (132/1) على أن العقد يكون باطلاً إذا كان سببه مخالفا للنظام العام أو للآداب، وهو ما يعكس الطبيعة الأمرة لهذه القاعدة، لأنها تتعلق بحماية القيم الأساسية في المجتمع. كذلك نصت المادة (259/3) على بطلان كل شرط يقضي بالإعفاء من المسؤولية المترتبة على العمل غير المشروع، لأن السماح بمثل هذا الشرط يعد مساسا بالنظام العام ويشجع على مخالفة القانون والإضرار بالغير وهاتان المادتان تمثلان نموذجين واضحين للتدخل التشريعي التقييد سلطان الإرادة حماية للمصلحة العامة.
وتبرز أهمية فكرة النظام العام في هذا السياق، فهي تمثل مجموعة المصالح الأساسية التي يقوم عليها كيان المجتمع، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو خلقية، ويؤدي الإخلال بها إلى اضطراب النظام الاجتماعي. كما أن مفهوم النظام العام مفهوم نسبي ومتطور يختلف باختلاف الزمان والمكان والنظام القانوني. فمثلاً، ما يعتبر مخالفا للنظام العام في مجتمع إسلامي قد لا يكون كذلك في مجتمع غربي، والعكس صحيح.
لقد أدى اتساع نطاق القواعد الآمرة إلى تقليص مبدأ سلطان الإرادة، خصوصا في المجالات التي تتصل بالمصلحة العامة كالعقود الإدارية، وعقود العمل، وعقود الإيجار، وعقود الاستهلاك. ففي هذه العقود، لا يكون للأطراف حرية مطلقة في تحديد شروط العقد، لأن المشرع يتدخل لضمان التوازن بين المتعاقدين ومنع استغلال أحدهما للآخر. فمثلا، لا يجوز لصاحب العمل أن يفرض على العامل شروطا تخالف قانون العمل، لأن هذا الأخير يتضمن قواعد أمرة تهدف إلى حماية العامل باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية.
وعلى الرغم من هذا التراجع النسبي لسلطان الإرادة، فإنه ما يزال يحتفظ بمكانة أساسية في العلاقات القانونية، خصوصا في العقود المدنية والتجارية التي تقوم على التوازن بين الأطراف فالمتعاقدون ما زالوا أحرارًا في اختيار الطرف الآخر، وفي تحديد موضوع العقد وشروطه وصياغة بنوده، واختيار اللغة والقانون الواجب التطبيق، ما لم تتعارض هذه الحرية مع القواعد الآمرة أو النظام العام.
ومن هنا، يمكن القول إن مبدأ سلطان الإرادة لم يلغ، بل أعيد تنظيمه في إطار من التوازن بين الحرية الفردية والمصلحة الاجتماعية. فالإرادة لا تعمل في فراغ، وإنما داخل منظومة قانونية تضبط حدودها وتوجهها نحو تحقيق العدالة والاستقرار.
وفي ضوء ذلك، يبرز دور المحامي كضامن لتوازن العقد ومطابقته للقانون. فالمحامي لا يقتصر دوره على صياغة العقد، بل يتعداه إلى التأكد من أن بنوده لا تخالف نصا أمرًا أو مبدأ من مبادئ النظام العام. كما يسعى إلى ابتكار حلول قانونية تضمن مصالح موكله دون أن تخرج عن الإطار المشروع. والمحامي الناجح هو من يستطيع أن يجمع بين حماية مصالح موكله واحترام قواعد القانون فيوازن بين سلطان الإرادة وحدودها، ويجعل من العقد وسيلة لتحقيق العدالة لا أداة للاستغلال أو الإضرار بالغير.
وهكذا، فإن سلطان الإرادة وإن كان هو المبدأ الحاكم للعقود، إلا أنه يعمل اليوم ضمن حدود مرسومة بالقواعد الأمرة التي تمثل الضمائة لاستقرار المعاملات وصون القيم الأساسية للمجتمع. فالتعاقد الحر لا يعني الفوضى والحرية في التعاقد لا تعني مخالفة القانون، بل تعنى ممارسة الإرادة ضمن الإطار الذي رسمه المشرع لتحقيق التوازن بين حرية الأفراد ومصلحة الجماعة. وبهذا التوازن الدقيق يستمر مبدأ سلطان الإرادة قائماً، لا مطلقاً كما كان، ولا معدوماً كما يخال البعض، وإنما مقيدا بما يحقق العدالة ويحمي كيان المجتمع.
