بين فصاحة الدستور وهيبة التنفيذ: لماذا لا يكفي الدستور لتحقيق الاستقرار؟... من المكسيك إلى العراق
بقلم: الأستاذ الدكتور أنور أبو بكر كريم الجاف
كلية القانون - جامعة السلام
ليس العيب في قِدم الدستور ولا في فصاحة نصوصه ولا في طول مواده بل في المسافة التي تفصل بين الدستور بوصفه وثيقة معيارية وبين الدولة بوصفها جهاز إنفاذ. ويُنسب في الحكمة السياسية إلى المهاتما غاندي معنى قريب من ذلك أن قيمة الدستور ليست في حجمه ولا في كثرة مواده فرب دستور طويل في حجم التوراة والإنجيل لا نفع فيه إذا لم يُطبَّق ورب دستور قليل الأسطر ولو لأكبر دولة في العالم يكون سبب أمن وتقدم إذا أُحسن تطبيقه وربما نتلمس صدق هذا المعنى في تجارب الأمم قديمًا وحديثًا.
المكسيك تملك إطارًا دستوريًا راسخًا يعرّفها جمهورية اتحادية تمثل إرادة الشعب مؤلفة من ولايات حرة ذات سيادة في شؤونها الداخلية متحدة في اتحاد فيدرالي وهو ما نصت عليه المادة 40 من دستورها الاتحادي لسنة 1917، كما نصت المادة 21 من الدستور نفسه على أن الأمن العام وظيفة اتحادية ومحلية وأن التحقيق في الجرائم من اختصاص السلطات المختصة، ونصت المادة 129 على أن القوات المسلحة لا تتدخل في الشؤون المدنية إلا في حدود القانون، هذه النصوص متقدمة في فلسفة الدولة الحديثة ومع ذلك فإن مشهد العنف الذي ظهر في الأخبار، مقتل العشرات من قوات الحرس الوطني المكسيكي بعد عملية استهدفت زعيم كارتل خاليسكو المعروف بـ”إل مينتشو”، يذكّر بحقيقة قانونية بسيطة أن الدستور يضع القاعدة لكنه لا يضمن وحده القدرة على فرضها إذا تشكلت قوة موازية للدولة.
هذا الحدث ليس رقمًا أمنيًا عابرًا بل علامة على اهتزاز احتكار الدولة للقوة وهو من أعمق مقومات الاستقرار الدستوري في أي نظام حديث، احتكار القوة ليس نظرية سياسية بل قاعدة قانونية، فإذا استطاعت جماعة مسلحة أن تنازع الدولة سلطتها في الإقليم أو أن تقتل قواتها فإن المشكلة ليست في النص بل في الإنفاذ، قتل رأس تنظيم إجرامي قد يكون إنجازًا ميدانيًا لكنه لا يكفي إذا بقيت البنية التي تنتج التنظيم قائمة لأن الردع لا يتحقق بضربة واحدة بل باستمرار الجزاء.
وهنا تظهر القاعدة التي يجتمع عليها الفقه الجنائي الإسلامي والقانون الحديث أن مقصد العقوبات هو الزجر والردع وأن العقوبة التي لا تُنفَّذ لا تُردِع، الزجر منع قبل الوقوع بإظهار هيبة القانون، والردع منع بعد الوقوع بإقامة الجزاء، فإذا علم الناس أن الجزاء قابل للتعطيل بالمال أو السلاح أو النفوذ سقط الردع ولو كانت النصوص أشد ما يكون.
وهذه الحقيقة نفسها تصل المكسيك بالعراق من غير عناوين ولا فواصل مصطنعة، الدستور العراقي لسنة 2005 نص بوضوح في المادة 9 على خضوع القوات المسلحة للسلطة المدنية وحظر تكوين ميليشيات خارج إطارها، ونصت المادة 14 على أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز، ونصت المادة 27 على حماية المال العام، ونصت المادة 47 على مبدأ الفصل بين السلطات، هذه النصوص تضع أساس احتكار الدولة للسلاح وصيانة الحقوق لكن النص وحده لا يكفي إذا بقيت القوة موزعة أو صار تنفيذ العقوبات انتقائيًا لأن المجتمع لا يقيس سيادة القانون بما كُتب بل بما يُنفَّذ.
وفي المكسيك كذلك نصت المادة 17 على ضمان العدالة ومنع أخذ الحق باليد، ونصت المادة 102 على دور النيابة العامة الاتحادية في تحريك الدعوى الجزائية، هذه المواد تؤكد أن العدالة مؤسسية وأن الردع لا يقوم إلا عبر قضاء فعال وتنفيذ حتمي للأحكام، فإذا ضعفت حلقات الإنفاذ تمددت شبكات الجريمة المنظمة وصار ردعها يحتاج دولة تستطيع أن تحاكم وتدان وتنفذ الأحكام بلا خوف ولا شراء ولا انتقاء.
ومن أعقد الأسباب التي تعطل النصوص إرث الحزب الواحد أو إرث المركزية وهو بقاء شبكات الولاء والتعيين والمحسوبية داخل مؤسسات الدولة بعد انتهاء الحكم الطويل فيضعف حياد الإدارة، في المكسيك تركت عقود هيمنة الحزب الثوري المؤسساتي آثارًا عميقة في البيروقراطية، وفي العراق تركت مراحل الحكم الحزبي المهيمن آثارًا مماثلة في تسييس الوظيفة وتداخل المصالح، وهنا يتشابه البلدان في أن إرث الحزب الواحد في كل منهما خلّف رواسب الماضي داخل بنية الدولة فتظل آثارها تعطل حياد الإدارة وتبطئ المحاسبة حتى بعد تغير الأنظمة.
ولهذا فإن الوضع الراهن الذي تتابعونه في المكسيك ليس مجرد خبر أمني بل درس دستوري حي، قتل زعيم إجرامي كبير لا يمحو السوق ولا يمحو الفساد ولا يمحو شبكات التمويل، كما أن حل جماعة مسلحة أو تغيير مسؤول لا يصنع استقرارًا إذا بقيت البنية التي تنتج السلاح خارج الدولة أو الفساد بلا عقاب لأن الاستقرار لا يصنعه قِدم الدستور ولا كثرة مواده بل حتمية تنفيذ القانون.
والخلاصة أن الدستور يعطي الشرعية ويحدد الاختصاصات ويعلن الحقوق لكنه لا يحرس نفسه بنفسه، الحارس الحقيقي هو مؤسسات إنفاذ محايدة وقضاء مستقل واحتكار الدولة للقوة ومحاسبة لا تستثني أحدًا، عندئذ فقط يتحول الدستور من نص جميل إلى نظام مستقر وتتحول قاعدة الزجر والردع من عبارة إلى واقع لأن الجزاء يصبح يقينيًا.
