جباية بكتاب إداري في زمن تصريف الأمور اليومية
بقلم: الدكتور حسين رحمن الفاضلي
خبير قانوني في التشريعات الرقمية وقوانين الاتصالات
صدر كتاب إداري من وزارة الاتصالات بالعدد 9553 في 23/2/2026 ، و الكتاب المرقم: 1022/ 26 في: 10/3/2026 تضمن فرض ما سُمّي ب“أجور خدمة بنسبة (20%)” على تعبئة رصيد الهاتف والإنترنت. والأثر المتوقع عمليًا هو زيادة الكلفة التي سيدفعها المستخدم النهائي، اذ يؤدي إلى تحميل المواطنين عبئًا ماليًا جديدًا على خدمة تمسّ أغلب شرائح المجتمع.
هذه القراءة لا تنطلق من تقييم النوايا، بل من سؤال المشروعية:
هل يجوز فرض نسبة بهذا المبلغ عبر كتاب إداري؟ وهل هي “أجور خدمة” فعلًا أم رسم مقنّع؟ وهل يمتد تطبيقها إلى عقود الاشتراكات المؤسسية؟ وما أثر كون الحكومة في وضع تصريف الامور اليومية؟
أولًا: الأساس الدستوري – المادة (28) من الدستور نصّت المادة (28/أولًا) على:
“لا تفرض الضرائب والرسوم، ولا تعدل، ولا تجبى، ولا يعفى منها، إلا بقانون.”
كما قررت المادة (19/تاسعًا) قاعدة عدم رجعية القوانين، مع التنبيه إلى أن قوانين الضرائب والرسوم لا يشملها الاستثناء.
وعليه، فإن العبرة ليست بالعنوان المكتوب في التوجيه، بل بحقيقة الأثر:
• إذا كانت نسبة (20%) إلزامية وتُضاف على السعر النهائي بصورة عامة، ولا يملك المستخدم خيارًا واقعيًا لتجنبها، فإنها تُعامل من حيث الأثر كـ رسم او ضريبة مقنّعة، ولا يجوز فرضها أو جبايتها إلا بقانون.
• أما إذا كانت تُطبّق كـ أجور خدمة مرتبطة بقناة بيع محددة (كنقطة بيع أو بوابة دفع)، وكان بإمكان المستخدم اللجوء إلى بديل واضح ومتاح دون هذه النسبة، فهنا لا نتحدث عن “رسم” بالمعنى الدستوري، ومن الكتاب المعلن فهي إلزام فعلي على الجمهور كافة.
ثم إن المادة (28/ثانيًا) من الدستور لسنة 2005 أوجبت حماية أصحاب الدخول المنخفضة بما يكفل عدم المساس بالحد الأدنى للمعيشة، وتنظيم ذلك بقانون. وهذا يجعل أي عبء عام على خدمات الاتصالات والإنترنت أكثر حساسية من الناحية الدستورية.
ثانيًا: الإطار الإداري – أركان القرار الإداري
عند فحص القرار وفق أركان القرار الإداري، تظهر نقاط تستوجب الإيضاح للقارئ الكريم:
- الاختصاص
فرض عبء مالي واسع الأثر لا يُعد مجرد إجراء تشغيلي. حتى لو كان القرار صادراً عن مجلس الوزراء، فإن سلطة المجلس تظل سلطة تنفيذية لا تشريعية، ولا تمتد إلى استحداث رسوم أو ضرائب أو جبايات عامة دون قانون، عملاً بالمادة (28/أولًا) من الدستور. وعليه، فإن مشروعية القرار تتوقف على وجود سند تشريعي نافذ يجيز فرض هذه النسبة ويحدد إطارها، وإلا عُدّ القرار مخالفًا للدستور لصدوره بأداة أدنى من القانون، فضلًا عن خضوعه لرقابة التناسب والتسبيب. - الشكل والإجراءات
القرار الذي يمس ملايين المستخدمين يجب أن يتضمن على الأقل:
• نطاق التطبيق (على من؟ وعلى أي معاملات؟)
• هل النسبة إلزامية أم اختيارية؟
• أين تُجبى؟ ولحساب من؟
• آلية الاعتراض والتظلم
• تاريخ النفاذ وحدود التطبيق الزمني اذ ذكر في نص الكتاب اعتبارا من تاريخ 23-2-2026 وبخلافه تتحمل الشركة التبعات القانونية والمالية في حال عدم التزامها
وغياب هذه التفاصيل يخلق حالة غموض تؤدي إلى اختلاف التطبيق وتضارب الإجراءات، وهو ما يضعف مشروعية القرار عمليًا. - السبب
لا يكفي تعليل عام دون بيان الخدمة المقابلة للنسبة: ما الخدمة التي تقابل (20%)؟ وكيف حُسبت؟ ولماذا هذه النسبة تحديدًا؟ وهل توجد وسائل أقل ضررًا لتحقيق الهدف؟ - المحل والغاية
المحل هو زيادة فعلية على كلفة التعبئة او الاشتراك. وإذا كانت الغاية تعظيم موارد الدولة، فلا بد من معيار التناسب، وإلا تحولت الغاية إلى جباية بلا أساس تشريعي واضح.
ثالثًا: حكومة تصريف أمور يومية
في وضع تصريف الامور، تُقيَّد القرارات التي تُنشئ التزامات عامة أو تغيّر قواعد السوق على نطاق كبير، ما لم تكن تنفيذًا لالتزام سابق أو قانون نافذ واضح. لذلك فإن القرارات المالية واسعة الأثر تكون أكثر عرضة للنقاش والطعن في هذا الظرف تحديدًا لان الحكومة تصريف أمور يومية اذ يقصد بتصريف الامور اليومية : اتخاذ القرارات و الاجراءات غير القابلة للتاجيل التي من شانها استمرار عمل مؤسسات الدولة و المرافق العامة بانتظام و اضطراد , و لا يدخل من ضمنها مثلا اقتراح مشروعات القوانين او عقد القروض او التعيين في المناصب العليا في الدولة و الاعفاء منها او اعادة هكيلة الوزارات و الدوائر نص المادة 42 من النظام الداخلي لمجلس الوزراء رقم 2 لسنة 2019.
رابعًا: نطاق التطبيق – هل يشمل الاشتراكات المؤسسية؟
(أ) التعبئة بالتجزئة
وهذا هو المجال الأقرب للقرار: كارتات، أكواد، تطبيقات تعبئة، نقاط بيع… حيث قد تظهر أجور خدمة كعمولة تشغيل للمستخدم النهائي حصرياً.
(ب) العقود المؤسسية (عقد + فاتورة + تحويل مصرفي)
في حالات بيع الاشتراكات لشركات (ومنها النفطية) بعقد وفاتورة وتحويل مصرفي إلى حساب وزارة الاتصالات/شركة الاتصالات والمعلوماتية ثم تصفية الأرباح وتحويل الباقي للشركة المنفذة:
فهذه ليست تعبئة رصيد، بل توريد خدمة بعقد.
وعليه، لا يكون إخضاعها لنسبة (20%) مشروعًا إلا:
• بملحق عقد او أمر تغييري أصولي يقرّ الزيادة، أو
• بسند قانوني جديد ملزم للكافة تجيز ذلك.
أما تطبيقها بكتاب عام فيُعد زيادة خارج العقد ويفتح باب النزاع والطعن، وهو ما حسمته الوزارة بموجب الكتاب المرقم: 1022/ 26 في: 10/3/2026.
خامسًا: جوهر الإشكال ليس في حاجة الدولة للإيراد، بل في طريقة فرضه ومن يتحمل عبئه. فالتوجه الظاهر من الكتب والتطبيقات الأخيرة هو تحويل نسبة (20%) من كلفة تتحملها الشركات أو تُسوّى ضمن منظومة التحصيل، إلى زيادة تُحمَّل مباشرة على المشترك النهائي عبر رفع سعر باقات الإنترنت أو فرض كلفة إضافية عند الشراء والتجديد. وهذا يعني عمليًا نقل العبء المالي إلى كاهل المواطن بصورة عامة وعلى خدمة أساسية يومية، اضافة إلى التزاماته المثقلة في قطاع الكهرباء والتعليم والصحة وغيرها. ومتى ما كانت هذه النسبة تُفرض إلزاميًا وبشكل عام على جميع المشتركين، من دون حماية ذوي الدخل المحدود لأن الانترنت اليوم يمس المواطن بشكل مباشر ولا يستطيع ان يتخلى عنه، ما نطالب به بوضوح هو بيانًا توضيحياً من مجلس الوزراء
ما الخدمة المقابلة لها؟ وكيف تم احتسابها؟
سادساً:- إذا كان قرار مجلس الوزراء لسنة 2025 قد شمل أجورًا على الاتصال الهاتفي والإنترنت معًا، فلماذا ظهر التطبيق عمليًا على الإنترنت دون الهاتف؟ هذا التفاوت يثير مسألة: أن هيئة الاعلام والاتصالات كان لها موقف شجاع في التعامل مع هذا القرار الاداري غير الدستوري، والشركة العامة للاتصالات والمعلوماتية كونها جزء من وزارة الاتصالات لم يكن بامكانها الاعتراض على تطبيق هذا القرار المجحف بحق المواطنين وهذا ما يعزز راينا الذي ننادي به وهو ان وزارة الاتصالات دورها الرئيسي هو رسم السياسة العامة لقطاع الاتصالات فقط ويفسح المجال لهيئة الإعلام والاتصالات كونها الجهة المنظمة لقطاع الاتصالات.
خاتمة
الخلاصة أن الإشكال ليس في حاجة الدولة لزيادة الإيرادات، بل في مشروعية الأداة وعدالة التطبيق. فإذا كانت نسبة (20%) تُفرض إلزامًا وبصورة عامة على المشتركين، فهي تقترب من “رسم مقنّع” لا تقوم له مشروعية إلا بقانون وفق المادة (28) من الدستور، ولا يكفي فيها كتاب إداري ولا قرار تنفيذي صادر من مجلس الوزراء، ما لم يستند إلى سند تشريعي صريح. كما أن صدورها في ظرف تصريف الأمور اليومية يفرض تدقيقًا أعلى في القرارات المالية الماسة بالمواطنين في باقات وخدمات الإنترنت (ولا سيما FTTH وWiFi). لأن بقاء القرار في دائرة الغموض يجعله معرضًا لعيوب الاختصاص، والسبب، والشكل، والمحل، والغاية، ويُبقيه محل طعن جدي أمام القضاء الإداري.
