shape
shape

الإفراج الشرطي: نظام عقابي متطور لتحقيق العدالة الإصلاحية

الإفراج الشرطي: نظام عقابي متطور لتحقيق العدالة الإصلاحية

الإفراج الشرطي: نظام عقابي متطور لتحقيق العدالة الإصلاحية

بقلم: المحامي غيث محمد اللامي

 

يعد نظام الافراج الشرطي من أبرز المظاهر التطورية في السياسة العقابية الحديثة اذ يجسد التوجه نحو تحقيق العدالة الإصلاحية لا العقوبة الانتقامية ويوازن بين حق المجتمع في الامن وحق المحكوم عليه في إعادة الاندماج الاجتماعي.

 

وقد تبنى المشرع العراقي هذا النظام بوصفه أداة تهدف إلى تقويم السلوك الاجرامي وتشجيع المحكومين على الانضباط والالتزام داخل المؤسسات العقابية، من خلال منحهم فرصة الافراج المبكر متى ثبتت جدارتهم بالإصلاح.

 

ويستمد هذا النظام أهميته من كونه لا يمثل عفوا او تخفيفا من العقوبة، بل هو أسلوب قانونی منضبط يستند الى شروط دقيقة وضمانات قضائية محددة، تعكس مدى تطور التشريع الجزائي العراقي وتكامله مع الاتجاهات المقارنة في التشريعات الحديثة.

 

اولاً مفهوم الافراج الشرطي وطبيعته القانونية

 

الافراج الشرطي نظام عقابي متطور أجازه المشرع العراقي، ويقصد به جواز إطلاق سراح المحكوم علية بعقوبة سالبة للحرية كالسجن او الحبس او الحجز، بعد ان يكون قد قضى المحكوم علية القسم الأكبر من العقوبة في السجن، متى ان ثبتت جدارته بالإصلاح وحسن سلوكه، بما يبرر العفو عن تنفيذ ما تبقى من العقوبة.

 

ويجوز للمحكمة الرجوع عن قرار الافراج الشرطى إذا ارتكب المفرج عنه خلال مدة التجربة أي جناية او جنحة عمدية وصدر بحقة حكم بعقوبة سالبة للحرية لا تقل مدتها عن ثلاثين يوما، متى اكتسب الحكم الجديد درجة البتات، كما يجوز للمحكمة الرجوع عن القرار إذا أخل المفرج عنه باي من الشروط التي قيد بها قرار الافراج

 

ويعد الجزء الباقي من العقوبة، الذي لم ينفذ ساقطا بحكم القانون، إذا لم تقع مخالفة من النوع المذكور أعلاه خلال مدة التجربة.

 

وقد أجاز المشرع العراقي لمحكمة الجنح في المنطقة التي يقضي فيها المحكوم علية عقوبته، ان تقرر الافراج الشرطي عنه وذلك استنادا الى نص المادة 331 من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل وفق شروط محددة.

 

ثانياً: شروط الافراج الشرطي

 

اشترط المشرع العراقي توافر مجموعة من الشروط الموضوعية والشخصية حتى يمنح المحكوم عليه الافراج الشرطي، وهي كما يلي:

 

  1. أن يكون المحكوم علية قد أمضى ثلاثة ارباع المدة المحكوم بها إذا كان رشيدا او ثلثي المدة إذا كان من الاحداث.
  2. ان يكون طالب الافراج مستقيم السيرة وحسن السلوك طيلة المدة التي قضاها في السجن او المؤسسة الإصلاحية.
  3. ان يكون قد قضى مدة لا تقل عن ستة أشهر في المؤسسة العقابية عند تنفيذ العقوبة الاصلية.
  4. ان لا يكون المحكوم علية مشمولا بإحدى العقوبات المستثناة من الافراج الشرطي وسيشار اليها لاحقا .

 

سلطة المحكمة وشروط الافراج الإضافية

 

يجوز للمحكمة ان تامر بما يأتي:

 

  1. تنفيذ العقوبات الفرعية خلال مدة الافراج، او تأجيل تنفيذها كليا او جزئيا.
  2.  إعادة النظر في القرار بناء على مطالعة الادعاء العام او أي معلومات جديدة تصل اليها
  3. منع المفرج عنه من التردد على الحانات او الملاهي، او الإقامة او التواجد في أماكن محددة.
  4. فرض تدابیر احترازية أخرى منصوص عليها في قانون العقوبات، باستثناء المصادرة.

 

مقارنة مع المشرع المصري

 

يتفق المشرع العراقي مع نظيره المصري في معظم شروط الافراج الشرطي الا ان هناك اختلافا جوهريا يتمثل في ان المشرع المصري أجاز تقديم طلب الافراج الشرطي بعد انقضاء نصف مدة العقوبة بشرط الا تقل عن ستة أشهر في حين الزم المشرع العراقي بإمضاء ثلاثة ارباع او ثلثي المدة كما سلف ذكره، ما يعكس تشددا نسبيا في السياسة.

 

اما بالنسبة للعقوبات الصادرة بالتعاقب فقد أجاز المشرع الافراج الشرطي وفق الشروط نفسها، على ان تحسب المدة اللازمة لانقضاء الجزء النسبي من العقوبة الثلثيين او الثلاثة ارباع استنادا الى مجموعة العقوبات المتعاقبة كافة، بغض النظر عن تجاوزها لما.

 

وقد ورد ذلك في نص المادة 87 المعدلة بقرار سلطة الائتلاف المؤقت رقم 31 لسنة 2003 والتي تنص على ما يأتي: لا يزيد مجموع مدد العقوبات السالبة للحرية على خمس وعشرين سنة في جميع الأحوال).

 

ثالثا: السلطة المختصة بتقديم الطلب وإصدار القرار

 

أجاز المشرع العراقي، بموجب نص المادة ٣٣٢ /ف ثانيا من قانون أصول المحاكمات الجزائية المعدل، تقديم طلب الافراج من عدة جهات مختصة، وذلك تحقيقا للمرونة في تطبيق هذا النظام وضمان عدم اغفال الحالات المستحقة.

 

وتتوزع سلطة تقديم طلب الافراج على النحو الاتي

  1. المحكوم عليه نفسه اوجب المشرع ان يقدم طلب الافراج من المحكوم عليه شخصيا إذا رغب في الافراج عنه، شرط توافر الشروط المنصوص عليها قانونا.
  2. في حالة الاحداث أجاز المشرع ان يقدم طلب الافراج الشرطي من قبل الحدث نفسه او أحد والديه او وليه او وصيه او من يتولى تربيته او أحد أقاربه، دون ان يشترط القانون درجة معينة للقرابة، وذلك مراعاة لحداثة من الحدث وظروفه .الاجتماعية
  3. الجهات الإصلاحية والادعاء العام كما منح القانون دائرة اصلاح الكبار او الاحداث والادعاء العام صلاحية تقديم طلب الافراج الشرطي الى المحكمة المختصة حتى من دون طلب من المحكوم عليه، متى ما رأت تلك الجهات ان شروط الأفراج الشرطي قد تحققت فعلا.
  4. المحكمة المختصة:

تختص محكمة الجنح في المنطقة التي يقضى فيها المحكوم عليه عقوبته بالنظر في طلب الافراج الشرطي والبت فيه، بعد التثبت من استيفاء الشروط القانونية والشخصية كافة.

 

رابعاً الجرائم والأشخاص المستثنون من نظام الافراج الشرطي

 

لم يجز المشرع العراقي تطبيق نظام الافراج الشرطي على جميع المحكوم عليهم دون استثناء، بل وضع قيودا موضوعية وشخصية تستهدف الحالات التي يرى فيها ان الافراج المبكر قد يعرض المجتمع للخطر او يتعارض مع مقاصد الردع العام.

 

وتنحصر الفئات والجرائم المستثناة من التمتع بالإفراج الشرطي بما يأتي:

  1. المحكوم علية العائد، أي من سبق الحكم علية ثم عاد الى ارتكاب جريمة جديدة وصدر بحقه حكم يزيد على الحد الأقصى للعقوبة المقررة للجريمة، استنادا الى احكام العود.

2. الأشخاص المحكوم عليهم بجرائم ضد امن الدولة الخارجي، الواردة في المواد (١٥٦ - ١٨٩) المعدلة من قانون العقوبات العراقي.

3. المحكوم عليهم في جرائم تزييف العملة أو الطوابع أو المستندات المالية الحكومية، لما تمثله هذه الأفعال من خطر على الثقة العامة والاقتصاد الوطني. التحديد ما يلي:

4. المحكوم عليهم في بعض الجرائم الجنسية، فقد انتخب المشرع منها على سبيل

أ. جرائم الوقاع او اللواط أو الاعتداء على العرض بدون الرضا. 

ب. جرائم الوقاع أو الاعتداء بغير قوة او تهديد او حيلة، على عرض المجني علية الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. جرائم الوقاع او اللواط بالمحارم.

ج. جرائم التحريض على الفسق والفجور.

 

5. المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة او السجن في جرائم السرقة، إذا كانوا قد سبق الحكم عليهم بالعقوبات ذاتها، ولو كانت قد انقضت لأي سبب قانوني. 

6. :بعض المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة او السجن، عن جرائم اختلاس الأموال العامة وذلك في حالتين:

أ. إذا سبق الحكم على المحكوم علية بإحدى العقوبتين المذكورتين عن جريمة من النوع نفسه.

ب. إذا كان قد سبق الحكم علية عن جريمتي اختلاس متعاقبتين أو أكثر، او عن جريمة اختلاس مكونة من فعلين متتابعين او أكثر، ولو انقضت عقوبتها لأي سبب قانوني.

 

الاجتهاد القضائي التمييزي في استثناء جرائم المخدرات

 

كما استقر الاجتهاد القضائي العراقي على استثناء فئة أخرى من المحكومين من شمولهم بالإفراج الشرطي، استنادا الى قرار الهيئة الجزائية الموسعة في محكمة التمييز الاتحادية بالعدد ٢٦٦ / الهيئة الجزائية الموسعة / ۲۰۲۳ ، والذي قضى بما يلي:

 

ان المحكوم بجريمة تعاطي المخدرات او حيازتها، والذي ماضيه حافل بالسوابق الاجرامية، لا يشمل بالإفراج الشرطي قبل اکمال مدة محكوميته، ويعد ضمن المستثنين الذين لا يشملهم الافراج الشرطي المنصوص علية في الفقرة د من المادة ۳۳۱ من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ولاسيما ان خروجه يشكل خطرا على المجتمع من افة.

 

ويستفاد من هذا القرار ان القضاء العراقي عزز فلسفة المشرع في حماية الامن الاجتماعي والصحي، عبر التوسع في مفهوم الاستثناء ليشمل حالات تتعلق بخطورة السلوك الاجرامي وتكراره، لا بمجرد نوع الجريمة وحدها.

 

يتضح من خلال استعراض النصوص القانونية والاحكام القضائية ان نظام الافراج الشرطي في التشريع العراقي يقوم على فلسفة تحقيق التوازن بين الردع والإصلاح فهو لا يهدف الى اعفاء الجاني من العقوبة، بل الى مكافأته على حسن سلوكه، وتشجيعه على الانضباط داخل المؤسسة العقابية، مع حماية المجتمع من خطر العودوفي ضوء ذلك، يمكن القول ان تطوير هذا النظام يتطلب تعزيز الرقابة اللاحقة على المفرج عنهم، وتوسيع برامج التأهيل المجتمعي، لضمان ان يكون الافراج الشرطي وسيلة لإعادة بناء الانسان لا مجرد تقصير في العقوبة.