shape
shape

ساعات العمل بين النص القانوني والتحديات المهنية: قراءة في المادة 67 من قانون العمل العراقي

ساعات العمل بين النص القانوني والتحديات المهنية: قراءة في المادة 67 من قانون العمل العراقي

ساعات العمل بين النص القانوني والتحديات المهنية: قراءة في المادة 67 من قانون العمل العراقي

 

بقلم: المحامي يوسف عبد رحمه الربيعي 
 

شهد سوق العمل العراقي خلال العقدين الماضيين تحولات كبيرة في طبيعة الوظائف، أنماط التشغيل، وتوزيع القوى العاملة، لا سيما في ظل توسع القطاع الخاص وتزايد المشاريع الخدمية والتقنية. هذه التحولات أفرزت تحديات جديدة تتعلق بتنظيم ساعات العمل، وضمان التوازن بين الإنتاجية وحقوق العامل، وهو ما يجعل المادة 67 من قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 محورًا مهمًا في النقاش القانوني والمهني.

 

الإطار القانوني لساعات العمل

 

تنص المادة 67 على أن الحد الأقصى لساعات العمل اليومية هو 8 ساعات، أو 48 ساعة أسبوعيًا، مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها في القانون. هذا التحديد يهدف إلى حماية العامل من الإجهاد وضمان بيئة عمل صحية، لكنه في الوقت ذاته يفتح المجال لتكييفات خاصة في بعض القطاعات.

 

الأعمال ذات الدوامين والمتقطعة

 

في حالات العمل بنظام الدوامين أو الأعمال المتقطعة، يُسمح ببقاء العامل في موقع العمل لمدة تصل إلى 10 ساعات، بشرط ألا تتجاوز ساعات العمل الفعلية 8 ساعات. هذا التكييف يعكس محاولة المشرّع لمراعاة طبيعة بعض الوظائف التي تتطلب تواجدًا أطول دون تحميل العامل عبء عمل إضافي.

 

الأعمال الخطرة والمرهقة

 

من أبرز ما ورد في المادة، تخفيض ساعات العمل في الأعمال التي تُعد خطرة أو مرهقة أو ضارة بالصحة، على أن تُحدد هذه الأعمال وتعليماتها من قبل الوزير المختص بناءً على اقتراح المركز الوطني للصحة والسلامة المهنية. هذا النص يُعد خطوة متقدمة في حماية الصحة المهنية، لكنه يواجه تحديات في التطبيق العملي بسبب ضعف الرقابة وتفاوت تفسير “الخطورة” بين القطاعات.

 

الاستثناءات القانونية: بين المرونة والتأويل

 

المادة 67 رابعًا تستثني فئات معينة من أحكام ساعات العمل، منها:

• أفراد أسرة صاحب العمل العاملين في المشروع
• موظفو الإدارة والإشراف
• العاملون في وظائف تتطلب السرية
• من يقومون بأعمال تحضيرية أو تكميلية خارج الساعات الرسمية
• عمال الحراسة
• الموفدون خارج مشاريعهم
• عمال الزراعة


هذه الاستثناءات تثير جدلًا قانونيًا حول مدى اتساعها وإمكانية إساءة استخدامها، خصوصًا في المشاريع الصغيرة أو غير المنظمة، حيث قد يُحرم العامل من الحماية القانونية بحجة الانتماء إلى إحدى هذه الفئات.

 

قراءة في الواقع المهني

 

رغم وضوح النص القانوني، إلا أن الواقع العملي يكشف عن فجوة بين التشريع والتطبيق. فالكثير من المؤسسات لا تلتزم بسقف الساعات المحدد، خاصة في القطاع الخاص، دون وجود آلية رقابية فعالة أو ثقافة قانونية لدى العاملين تمكنهم من المطالبة بحقوقهم.

 

في المقابل، يُعد صدور تعليمات من الوزير لتحديد ساعات العمل في الحالات المستثناة (المادة 67 خامسًا) خطوة تنظيمية مهمة، لكنها تتطلب متابعة دورية وتحديث مستمر بما يتناسب مع تطور طبيعة العمل.

 

إن المادة 67 من قانون العمل العراقي تمثل محاولة جادة لتنظيم ساعات العمل بما يحقق التوازن بين مصلحة العامل وصاحب العمل، لكنها بحاجة إلى تفعيل رقابي وتشريعي أكثر دقة، خاصة في ظل تنامي أنماط العمل غير التقليدية. ويبقى دور القضاء في تفسير النصوص وتكييف الحالات العملية حجر الزاوية في حماية الحقوق وضمان العدالة المهنية.