تنظيم خدمة العلم في العراق: من التجنيد الإلزامي إلى الإطار الدستوري المنضبط
بقلم: الأستاذ الدكتور أنور الجاف
كلية القانون - جامعة السلام
لم يكن نصُّ الدستور العراقي في المادة (9/ثانيًا) القاضي بأن “تنظَّم خدمةُ العَلَم بقانون” تفويضًا مفتوحًا للمشرّع بقدر ما كان تأسيسًا لواجبٍ وطنيٍّ مقيدٍ بسقفٍ دستوريٍّ صارم، يوازن بين مقتضيات حماية الدولة وضمانات صيانة المواطن، ومن هنا فإن أي تناولٍ معاصرٍ لمشروع خدمة العلم لا يصح أن يُبنى على الحنين إلى نماذج سابقة، ولا على ردود فعل ظرفية، بل على قراءةٍ دستوريةٍ عميقة تُدرك أن النص يعمل داخل منظومةٍ متكاملة من المبادئ، في مقدمتها سمو الدستور في المادة (13) والمساواة في المادة (14) والحرية الشخصية في المادة (15) وتكافؤ الفرص في المادة (16) وضمانات العدالة في المادة (19) وعدم المساس بجوهر الحقوق والحريات في المادة (46).
وقد شهد هذا المشروع مسارًا تشريعيًا متكررًا يكشف عن حساسيته وتعقيده، إذ طُرح منذ عام 2014 في سياقٍ أمنيٍّ استثنائي، ثم عاد للظهور بصيغةٍ أكثر نضجًا في مشاريع عام 2019، قبل أن يُعاد تقديمه وتداوله رسميًا في 19 نيسان 2026 داخل مجلس النواب، وهو ما يدل على أن المشرّع لم يحسم أمره بعد، بل لا يزال يبحث عن الصيغة التي تحقق التوازن بين الحاجة الأمنية والضمانات الدستورية.
وعليه فإن المشروع الذي ينهض دستوريًا ليس قانونًا تقليديًا للتجنيد الإلزامي بصيغته الضيقة، بل قانون خدمةٍ وطنيةٍ منضبطة، يكون التجنيد أحد مساراتها لا صورتها الوحيدة، بحيث يُعاد تعريف الخدمة بوصفها التزامًا عامًا تجاه الدولة، موزعًا على أطرٍ متعددة تتصل بالدفاع العسكري، والإسناد المدني، والطوارئ، والبنى الأساسية، وفق معايير موضوعية تحقق التوازن بين الواجب والحق.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا إذا استُحضر الفرق بين قانون الخدمة العسكرية السابق رقم (65) لسنة 1969، وبين متطلبات الدستور الحالي، فالقانون السابق كان يعمل ضمن بيئةٍ تتسم بتركيز السلطة، ويقوم على إلزامٍ عسكريٍّ أحادي ذي طابع تعبوي، مع محدوديةٍ في البدائل، وغيابٍ نسبي للضمانات المرتبطة بمسار الفرد التعليمي والمهني، أما اليوم فإن إعادة إنتاج هذا النموذج بحرفيته تصطدم مباشرةً بالمبادئ الدستورية التي تُلزم المشرّع بتحقيق العدالة في توزيع الأعباء، ومنع التمييز، وضمان عدم تحول الواجب العام إلى عبءٍ غير متكافئ، كما في حالة البدل النقدي إذا تُرك دون ضوابط، أو الإعفاءات إذا صيغت بصيغةٍ فضفاضة.
ولا يقف التحول الدستوري عند حدود فلسفة الإلزام، بل يمتد إلى بنية السلطة العسكرية ذاتها، فبعد أن كانت القيادة الفعلية للقوات المسلحة أقرب إلى التركّز في يد رئيس الجمهورية، جاء دستور 2005 ليعيد تنظيمها ضمن إطارٍ مؤسسي، فنصّت المادة (78) على أن رئيس مجلس الوزراء هو القائد العام للقوات المسلحة، وهي قيادةٌ تنفيذيةٌ مقيدةٌ بطبيعتها، تخضع لمبدأ خضوع القوات المسلحة للسلطة المدنية، وتحظر عليها التدخل في الشأن السياسي، فضلًا عن خضوعها لرقابة مجلس النواب في جوانبها التنظيمية والمالية، ولرقابة القضاء عند المساس بالحقوق.
ويبلغ هذا التقييد ذروته في مسألة قرار الحرب والسلم، حيث نصّت المادة (61/تاسعًا/أ) على أن إعلان الحرب وحالة الطوارئ لا يكون إلا بموافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين، بناءً على طلبٍ مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، وهو ما يعني أن أخطر قرار يتعلق باستعمال القوة المسلحة لم يعد بيد قائدٍ منفرد، بل أصبح قرارًا دستوريًا مركبًا، تشترك فيه السلطات، ويخضع لرقابةٍ سياسيةٍ وشعبية غير مباشرة.
وهنا تتجلى العلاقة العميقة بين خدمة العلم والدستور، إذ لا يُتصور دستوريًا أن يُلزم المواطن بالخدمة العسكرية في ظل نظامٍ يسمح بانفراد القرار العسكري، في حين أن الدستور ذاته قد قيّد هذا القرار وأخضعه لمعادلة التوازن المؤسسي، وبذلك يكتسب الإلزام مشروعيته من الضمانة المقابلة له، وهي أن استعمال هذه الخدمة لن يكون خارج إطار الشرعية الدستورية.
ولا يخرج العراق في أصل فكرة تنظيم خدمة العلم عن محيطه الإقليمي والعربي، إذ تأخذ عدة دول بمبدأ إلزامية الخدمة العسكرية أو الوطنية بصيغٍ مختلفة، كما في مصر والإمارات والكويت والأردن، حيث تُنظَّم هذه الخدمة بقوانين خاصة ترتبط بوظيفة الدفاع الوطني والإعداد العام، غير أن العبرة في هذه التجارب ليست في مجرد الإلزام، بل في طبيعة الإطار الدستوري الذي يحكمه، ومستوى الضمانات التي ترافقه، وهو ما يجعل المقارنة نافعة من حيث التأصيل، لا من حيث النقل.
وليس بعيدًا عن الوجدان الاجتماعي العراقي أن تُفهم خدمة العلم بوصفها زمنًا للتجربة واكتساب الخبرة قبل أن تكون مدةً للواجب المجرد، إذ تتكوّن فيها معاني الانضباط، والصبر، والاعتماد على النفس، والعمل الجماعي، وهي معانٍ لا تقل شأنًا عن بعدها العسكري، ومن هذا المنظور فإن تطوير المشروع يمكن أن يمتد إلى فتح باب الخدمة الوطنية التطوعية للنساء، لا على سبيل الإلزام، بل ضمن مساراتٍ محددة تتصل بالإسناد الطبي، والدفاع المدني، والطوارئ، والأمن السيبراني، وسائر الوظائف الوطنية المساندة، وبذلك يغدو القانون أقدر على استيعاب الطاقات المجتمعية المختلفة من غير إخلالٍ بالتوازن الدستوري والاجتماعي.
وانطلاقًا من ذلك، فإن المشروع الدستوري الأمثل لخدمة العلم في العراق هو ذاك الذي يقوم على إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة في إطارٍ من التوازن، بحيث يكون الواجب عامًا، لكنه عادل، والإلزام قائمًا، لكنه منضبط، والسلطة قائمة، لكنها مقيدة، قانونٌ لا يُعيد إنتاج عسكرة المجتمع، ولا يفرغ الدولة من قدرتها الدفاعية، بل يقيم معادلة دقيقة بينهما.
وخلاصة القول، إن عبارة دستور العراق ثانيا: “تنظَّم خدمة العلم بقانون” ليست جملةً إجرائية، بل قاعدةٌ دستوريةٌ معيارية تُلزم المشرّع بأن يجعل من هذا القانون عقدًا منضبطًا، يلتزم فيه المواطن بخدمة الوطن، وتلتزم فيه الدولة بصيانة حقوقه، وبذلك يتحقق المقصد الأعلى للدستور: حماية الدولة من غير أن يُنتقص من كرامة الإنسان أو يُخلّ بمبدأ المساواة.
