shape
shape

لغة القضاء العراقي

لغة القضاء العراقي

لغة القضاء العراقي

بقلم: المحامي أسامة عبد الكريم الحديثي

 

تكمن سعادتي أيما سعادة وأنا أقلب ناظرَيَ في قراءة القرارات القضائية الصادرة من محاكمنا العراقية ومن خلفها محكمة التمييز الاتحادية الموقرة معززةً ومؤازرةً، ولعل سبب تلك السعادة أنني لا أتعلم منها القانون فحسب بل تعلمني تلك القرارات، أدب التعبير، وحسن الصياغة، وبراعة البيان، صحيح ٌأن القانون هو القانون ونصوصه هي هي، كل القضاة ينطقون به، ولكن تختلف مناطقهم وأصواتهم وحناجرهم، فكأن كل واحد منهم ينطق بالقانون نطقا جديدًا، كأن النصوص لم تخلق بشكلها الخاص إلا له، وكما قيل الذهب هو الذهب وإنما يتفاوت الصائغون في صياغتهم له، وذلك أن الحكم القضائي كالبناء، إذا توافرت عناصره، فإن القاضي بسلامة ذوقه وأسلوبه الأدبي يشيد بناًء أبيًا، قويًا لا يلين، فمن تلك القرارات ما تحوي لذة يطرب لها القارئ، وفائدة تأخذ الألباب، وحسنُ بيانٍ يسمو بالأذواق، فللقضاء لغةً في التعبير، وأسلوباً يميزه في صياغة الكلام، وله ألفاظه التي يكرر استخدامها في الكتابة، تلك اللغة لا يمكن أن تكتسب إلا بإدمان النظر، وكثرة القراءة التي تُمكن في نهاية المطاف من الحصول على ذخيرة واسعة من الألفاظ والمصطلحات المستخدمة في لغة القضاء، كما أن القضاء وقور بطبعه ومن مظاهر وقاره وعفته تجنبه سوء الألفاظ ومثال ذلك ما جاء في قرار محكمة التمييز الاتحادية رقم 17/موسعة ثانية/ 1991 ( أن قتله شقيقه كان على أساس أنه بباعث شريف لسوء سلوك المجني عليه حيث يشير التقرير الطبي التشريحي بأن عنده علامات الأُبْنة، وحيث لم يثبت ما يدل على أن القتل بباعث شريف بداعي أن المجني عليه أنحدر إلى الرذيلة وسلوكه يمثل عارا ، وإنما نتيجة القتل مشاجرة آنية، لذا قررت المحكمة إعادة الأوراق لمحكمتها لإعادة النظر بالعقوبة دون الاستدلال بالمادتين 128 و 130 ق.ع) 
وفي قرار آخر صيغت معانيه في عبارات كان لها في النفوس أثر لا يوجد مع العبارات الخالية من روح الأدب أذكر منه نصًا (أن المجني عليه كان نائما في داره وبعد منتصف الليل سمع حركة داخل منزله فنزل من السطح وعند دخوله المطبخ فوجئ بضربة على رأسه كان فيها خاتمة حياته، ونزلت بعده زوجته وابنتهما الصغيرة على يدها، فعاجلها الجاني بضربة طبر أخرى، قضت عليها وعلى طفلتها، وعندما نزل ابنهما الصغير، كان حظه نفس القدر بضربة طبر فارق الأربعة الحياة ... 11/هيئة عامة/ 1992).


وفي قرار آخر جمع حسن العبارة وسعة اطلاع القاضي بمذاهب فقهاء الشريعة الإسلامية وتمسكه بقرار حكمه بعد أن نقضته محكمة التمييز الاتحادية تحت العدد 264/موسعة/ 1985(لدى التأمل: وجدت هذه المحكمة أن دعوى المدعيتين غير واردة شرعا ولا قانونا..... وأن ما ذهبت إليه المحكمة في قرارها السابق الصادر من هذه المحكمة ليس اجتهادا من عندها حتى يقال لا مساغ للاجتهاد في مورد النص بل هو حكم مبني على دليل شرعي هو النص النبوي الشريف، وأجماع أئمة الشريعة، ودليل قانوني وهو أجماع حكام محكمة التمييز، وإقرار المشرع العراقي الضمني، وتفسير صائغ النص القانوني، بل الحكم بعكس ذلك وجعل بنت الأخ الشقيقة من أصحاب الفروض وبمنزلة الأخت الشقيقة هو الاجتهاد غير المسوغ شرعا ولا قانونا، وأخيرا وإن كانت المادة 215 من قانون المرافعات تقضي بوجوب اتباع محاكم الأحوال الشخصية لقرارات محكمة التمييز، إلا إن هذه المحكمة ترى أن الدستور العراقي ينص على أن "الإسلام دين الدولة الرسمي" وهذا النص لم يوضع عبثا، بل لا بد أنه وضع لغاية، وهي اعتبار أحكام الشريعة الإسلامية - خاصة ما ثبت منها بالكتاب والسنة النبوية - من النظام العام لا تجوز مخالفة نصوصهما، ولما كان من الأمور المقررة أن حكم أي قاضي لا يعتد به إذا كان مخالفا لنص أو أجماع ... لذا قرر رد دعوى المدعيتين وتحميلهما المصاريف وأفهم علنا في 7/12/ 1985 قابلًا للتمييز).


والحديث عن بلاغة الكلمة وحسن العبارة واستعراضها في القرارات القضائية الصادرة من محكمة التمييز الموقرة والمحاكم العراقية الأخرى، حديث ذو شجون، لا يسعه مثل هذا الموضع، على أنني اختم بالقاعدة الشهيرة المتقررة، وهي أن الحكم القضائي لا يمكن أن يكون حسنًا موصوفًا بالقبول، إلا إذا كانت لغته رفيعة، محفوفة بالمهابة، ملففة بالجمال والجلال، خالية من العجمة المحتلكة، والعامية المبتذلة.