shape
shape

مرض الموت كقيد قانوني على سلطان الإرادة: دراسة في الأساس الفقهي والتطبيق القضائي

مرض الموت كقيد قانوني على سلطان الإرادة: دراسة في الأساس الفقهي والتطبيق القضائي

مرض الموت كقيد قانوني على سلطان الإرادة: دراسة في الأساس الفقهي والتطبيق القضائي

الأستاذ الدكتور أنور الجاف

كلية القانون - جامعة السلام

 

ليست خطورة مرض الموت في طبيعته الطبية، بل في أثره القانوني حين تتحول الإرادة من أداة تصرف مطلق إلى وسيلة قد تنفذ منها شبهة الإضرار بحقوق الغير، فتتدخل الشريعة والقانون لضبط هذا التحول، لا بإلغاء الإرادة، بل بإعادتها إلى ميزان العدالة.

 

ومن هنا لا يصح النظر إلى مرض الموت بوصفه مجرد حالة طبية، لأن قيمته الحقيقية في الفقه والقانون لا تكمن في طبيعة المرض، بل في أثره على حرية التصرف، إذ إن الإنسان في حال الصحة يتمتع بسلطان كامل على أمواله، غير أن هذا السلطان يبدأ بالتقيد عندما تدخل إرادته في منطقة التماس مع حقوق مستقبلية للورثة أو الغير، فينشأ حينئذٍ مجال تدخل القاعدة القانونية لحماية التوازن بين الإرادة الفردية والعدالة التوزيعية.

 

ولهذا قرر فقهاء الإسلام منذ وقت مبكر أن تصرفات الإنسان في مرض الموت لا تعامل معاملة تصرفات الصحيح، لا لقصور في أهليته، بل لقيام مظنة الإضرار بالحقوق، وهي مظنة مبنية على معيار موضوعي لا نفسي، وقد عبّر فقهاء الحنفية عن ذلك بربط مرض الموت بغلبة الهلاك وعجز الإنسان عن مباشرة مصالحه المعتادة، وهو تحليل لا يقوم على وصف المرض بل على أثره العملي في المركز القانوني للشخص، وهو ما يظهر في تعريفهم للمرض الذي «يغلب فيه الهلاك ويتصل بالموت».

 

وقد اتجه المالكية إلى تدقيق هذا المفهوم حين جعلوا تقدير المرض المخوف راجعًا إلى أهل الخبرة من الأطباء، وهو اتجاه يكشف عن عمق المنهج الفقهي في ربط الحكم بالمعرفة التخصصية، لا بالتصورات المجردة، انسجامًا مع قوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وهو عين الاتجاه الذي تبناه القضاء الحديث حين جعل الخبرة الطبية أداة لتقدير حالة مرض الموت دون أن يسلب القاضي سلطته في الترجيح والتقدير.

 

أما الشافعية والحنابلة فقد ركزوا على عنصر اتصال المرض بالموت وصلاحيته لإفضاء الهلاك، كما قرره النووي وابن قدامة في «المغني»، مما يدل على أن العلة ليست مجرد وجود المرض، بل تحقق خطر الموت بدرجة يغلب معها وقوعه، وهو ما يفضي إلى نتيجة دقيقة، وهي أن مرض الموت ليس وصفًا طبيًا صرفًا، بل وصف قانوني وظيفي يستخلص من اجتماع قرائن موضوعية، منها شدة المرض، وتعذر مباشرة الأعمال المعتادة، وغلبة احتمال الهلاك، سواء تحقق الموت لاحقًا أم قامت أماراته المعتبرة قبل وقوعه.

 

وفي الفقه الإمامي نجد ذات المعنى، إذ عرّف المحقق الحلي مرض الموت بأنه المرض الذي لا يؤمن معه من الموت غالبًا، وبيّن صاحب «الجواهر» أن المدار على الخطر الغالب لا على مجرد وجود المرض، وهو ما يؤكد أن الاتجاهات الفقهية، على اختلاف مذاهبها، تتقارب في تقرير علة غلبة الهلاك، مع اختلاف في ضوابط تحققها وتفاصيل تطبيقها.

 

ومن خلال هذا البناء الفقهي يتبين أن العلة التي تدور حولها أحكام مرض الموت هي علة موضوعية تتمثل في غلبة الهلاك، لا في الشعور بالخوف، لأن الفقه لا يبني الأحكام على الانفعالات النفسية، بل على معايير يمكن تقديرها موضوعيًا، وهو ما ينسجم مع القاعدة الأصولية المقررة أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

 

وقد انعكس هذا الفهم الفقهي بوضوح في القانون المدني العراقي، إذ لم يضع تعريفًا جامدًا لمرض الموت، وترك أمر تحديده للفقه والقضاء، استنادًا إلى المادة (1/2) من القانون المدني التي تقرر الرجوع إلى مبادئ الشريعة الإسلامية بوصفها مصدرًا احتياطيًا ملزمًا عند غياب النص، وهو ما يكشف عن وعي تشريعي بأن هذه المسألة لا تقبل الجمود، لتغير معاييرها بتغير المعرفة الطبية.

 

ولهذا استقر القضاء العراقي على استلهام المعايير الواردة في المادة (1595) من مجلة الأحكام العدلية، التي جعلت مناط مرض الموت قائمًا على ثلاثة عناصر: غلبة الهلاك، وتعذر مباشرة الأعمال المعتادة، واتصال المرض بالموت، وهي معايير تمثل في حقيقتها امتزاجًا دقيقًا بين التأصيل الفقهي والتطبيق القضائي.

 

وقد أكد القضاء العراقي هذا الاتجاه حين اعتبر أن استمرار الشخص في ممارسة أعماله المعتادة قرينة على عدم تحقق مرض الموت، مما يدل على أن القضاء لا يكتفي بالتشخيص الطبي، بل ينظر إلى الواقع العملي لحياة الشخص، وهو ما يعزز فكرة أن مرض الموت حالة قانونية مركبة، لا مجرد وصف طبي مجرد.

 

كما دعم قانون الإثبات العراقي هذا الاتجاه، إذ نصت المادة (132) على اعتماد الخبرة الفنية في المسائل التي تتطلب معرفة تخصصية، في حين منحت المادة (146) قاضي الموضوع سلطة تقدير تقرير الخبير والأخذ به أو طرحه، وهو ما يكرّس الطبيعة المشتركة لتحديد مرض الموت، بوصفه مسألة تتداخل فيها الخبرة الطبية مع التقدير القضائي.

 

ومن زاوية نظرية أعمق، يمكن فهم مرض الموت بوصفه تطبيقًا دقيقًا لمبدأ منع التعسف في استعمال الحق، بل وصورة من صور الغش نحو القانون، إذ قد يستعمل الشخص سلطته في التصرف لا لتحقيق مصلحة مشروعة، بل للإضرار بالغير أو التحايل على قواعد الإرث، وهنا يتدخل القانون ليقيد آثار هذا التصرف دون أن ينفي أصله، تحقيقًا للتوازن بين سلطان الإرادة ومتطلبات العدالة.

 

ولهذا فإن القياس على مرض الموت في الحالات المعاصرة يجب أن يكون قائمًا على معيار غلبة الهلاك المثبت بالخبرة الطبية، لا على مجرد الشعور بالخطر، لأن توسيع هذا المفهوم دون ضابط يؤدي إلى إدخال حالات لا يقول بها الفقه ولا يقبلها القضاء، مما يستوجب ضبطه بمعايير موضوعية دقيقة.

 

وعليه فإن الحالات التي يمكن أن تأخذ حكم مرض الموت هي تلك التي يتحقق فيها خطر حقيقي يغلب معه احتمال الوفاة، كما في الأمراض ذات معدلات الوفاة المرتفعة بحسب التقارير الطبية المعتمدة، كالمراحل المتقدمة من السرطان، أو حالات الفشل العضوي النهائي، أو الأمراض الوبائية الشديدة الفتك، مع بقاء العبرة دائمًا بحقيقة الخطر لا باسم المرض.

 

أما من حيث الآثار، فقد استقر الفقه الإسلامي والقانون على أن تصرفات المريض مرض الموت صحيحة من حيث الأصل، لكنها مقيدة في آثارها حماية لحقوق الغير، ولذلك قيدت التبرعات بحدود الثلث قياسًا على الوصية، ومنعت المحاباة التي تضر بالورثة، وهو ما يعكس مبدأ العدالة في توزيع التركة، دون مصادرة لحرية التصرف.

 

ويظهر هذا القيد بوضوح في مسائل الأحوال الشخصية، ولا سيما في الطلاق بقصد حرمان الزوجة من الإرث، وهي صورة تعامل معها الفقه الإسلامي بحزم واضح، فأثبت للزوجة حقها في الإرث في حالات معينة، منعًا للتحايل، وهو ما يكشف عن البعد الوقائي العميق لهذه النظرية.

 

وفي ضوء التطور الطبي الحديث، تبرز إشكالية دقيقة تتعلق بامتداد الحياة بوسائل الإنعاش الصناعي، وتعقّد تحديد لحظة الوفاة، وهو ما يفرض إعادة قراءة مفهوم مرض الموت قراءة قانونية معاصرة، دون الخروج عن أساسه الفقهي القائم على معيار غلبة الهلاك، مع مراعاة تطور أدوات الإثبات الطبي.

 

إن القيمة الحقيقية لنظرية مرض الموت لا تكمن في كونها تنظيمًا لتصرفات المريض فحسب، بل في كونها نموذجًا متقدمًا لكيفية تدخل القانون لحماية العدالة عندما تتعرض الإرادة لضغط ظروف استثنائية، وهو ما يجعلها مثالًا حيًا على التكامل بين مقاصد الشريعة ومبادئ القانون الحديث.

 

وبذلك تغدو نظرية مرض الموت ليست مجرد استثناء على سلطان الإرادة، بل أداة قانونية دقيقة لضبطها، حين تنفلت تحت ضغط الخطر، فتردّها الشريعة والقضاء إلى ميزان العدل، فيتحقق التوازن بين حرية التصرف وحقوق الآخرين، وهو التوازن الذي يشكل جوهر العدالة في كل نظام قانوني راشد.