نصوص قانون العمل العراقي بين الواقع والتطبيق
بقلم: الدكتور حيدر عبد السلام التميمي
يُعدّ قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 من أهم التشريعات الاجتماعية التي سعت إلى تنظيم علاقات العمل في العراق على أسس أكثر عدالة وإنصافًا، ولاسيما من خلال تكريس مجموعة من الحقوق الأساسية للعامل باعتباره الطرف الأضعف في هذه العلاقة، أضافة لذلك تنظيم هذه العلاقة من خلال بيان الواجبات و الحقوق التي تقع على اطراف عقد العمل، ويعرف عقد العمل "بأنه اتفاق قانوني يلتزم بموجبه العامل بأن يضع جهده أو خبرته تحت تصرّف صاحب العمل، وأن يؤدي عملًا معينًا أو خدمة محددة لمدة مؤقتة أو غير مؤقتة، مقابل أجر يتعهد صاحب العمل بدفعه، وذلك تحت إشرافه وإدارته".
وجاء هذا القانون منظم لحق العمل بالعراق من اغلب جوانبه ، فقد نصّت المادة (4) من القانون على أن «العمل حق لكل مواطن قادر عليه، وتعمل الدولة على توفيره على أساس تكافؤ الفرص دون أي نوع من أنواع التمييز»، وهو نص يعكس توجّه المشرّع نحو ضمان المساواة في الحصول على فرص العمل ومنع التمييز بسبب الجنس أو الدين أو الانتماء أو أي سبب آخر، إلا أن الواقع العملي ما زال يكشف عن فجوة واضحة بين النص والتطبيق، خاصة في القطاع الخاص.
كما أكّد القانون على حماية حقوق العامل من أي انتقاص أو تنازل، إذ قررت المادة (6) بطلان كل شرط أو اتفاق يتضمن التنازل عن أي حق من الحقوق التي قررها القانون للعامل، وهو ما يمنح هذه الحقوق طابعًا آمِرًا لا يجوز الاتفاق على خلافه، غير أن ضعف الوعي القانوني لدى بعض العمال يجعلهم يقبلون بشروط مجحفة دون إدراك لعدم مشروعيتها.
وفيما يتعلق بالأجر، نصّت المادة (43) على أن «يستحق العامل أجرًا عادلًا يتناسب مع نوع العمل وجهده، ويُدفع الأجر في موعده المحدد»، وهو حق جوهري لا يستقيم بدونه أي استقرار معيشي، إلا أن تأخير الأجور أو التحايل عليها ما زال يمثل إحدى أبرز المشكلات العملية، لا سيما في الأعمال غير المنظمة.
ونظّم القانون ساعات العمل بما يحفظ صحة العامل، إذ نصّت المادة (72) على عدم جواز تشغيل العامل أكثر من ثماني ساعات يوميًا أو ثمانٍ وأربعين ساعة أسبوعيًا، مع تقرير فترات للراحة، ورغم أهمية هذا التنظيم إلا أن ضعف الرقابة يجعل بعض هذه النصوص عرضة للتجاوز. كما منح القانون العامل حقه في الإجازات المختلفة بنصوص صريحة، إدراكًا لأهمية البعد الإنساني والاجتماعي لعلاقة العمل، إلا أن هذه الحقوق كثيرًا ما تُقابَل في التطبيق العملي بنظرة سلبية من بعض أصحاب العمل.
وفي جانب السلامة والصحة المهنية، ألزمت المادة (91) صاحب العمل باتخاذ التدابير اللازمة لحماية العمال من مخاطر العمل، غير أن محدودية التفتيش العمالي تقلل من الأثر الوقائي لهذه النصوص، كما كفل القانون حرية التنظيم النقابي وحمى العامل من الفصل التعسفي، واضعًا قيودًا على سلطة صاحب العمل في إنهاء العقد، بما يعزز قدرًا من الأمان الوظيفي.
غير أنّه، يبرز اليوم تحدٍّ تشريعي لا يمكن تجاهله، يتمثل في التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل في ظل التطور التكنولوجي والتحول الرقمي، وما أفرز عنه من ظهور وانتشار واسع لنمط جديد من العمل يتمثل في العمل عن بُعد أو التعاقد الإلكتروني للعمل، وهو نمط بات واقعًا عمليًا في العديد من القطاعات، في حين ما زال قانون العمل العراقي يفتقر إلى معالجة قانونية حقيقية ومتكاملة لهذا النوع من الأعمال، سواء من حيث تحديد طبيعة العلاقة التعاقدية، أو تنظيم ساعات العمل، أو ضمان الأجر، أو توفير الحماية الاجتماعية للعامل عن بُعد، الأمر الذي يستدعي تدخّلًا تشريعيًا عاجلًا يواكب هذا التحول ويمنع نشوء فراغ قانوني قد يُستغل على حساب حقوق العمال، وبذلك يبقى نجاح قانون العمل مرهونًا ليس فقط بجودة نصوصه الحالية، وإنما بقدرته على التطور ومواكبة أشكال العمل الحديثة بما يحقق العدالة والاستقرار في سوق العمل.
أضافة لذلك أن هذا القانون يحتاج الى آليات اكثر صرامة من اجل تطبيق نصوصه بشكل فعلي ، حيث أن اغلب العاملين في القطاع الخاص من شركات ومطاعم ومحلات تجارية وأسواق ، لا يتمتعون بجميع الحقوق المنصوصm لهم بموجب هذا القانون، وذلك لعدة أسباب منها عدم وجود عقود قانونية عند العمل، وقلة الثقافة القانونية والمعرفة بحقوق والتزاماتهم .
