التبرع بالأعضاء حياة تمنح لا تباع
بقلم: المحامية دينا عبد الكريم عبد الجبار
يقف المنطق الإنساني عاجزاً أمام سمو قيم الكرم والتضحية التي تتجسد في إيثار الإنسان لغيره بجزء من جسده لإنقاذ حياته؛ فهذا الحق في سلامة الجسد هو حقٌّ إلهي، وهبة مقدسة أودعها الخالق في النفس البشرية، وهي لصيقة بكرامة الإنسان التي لا يجوز المساس بها تحت أي ظرف.
وإن العمل خلافاً لهذا المنطق السليم والنيات الطاهرة سيعرض صاحبه لارتكاب جريمة مزدوجة؛ فهي جريمة نكراء بحق الإنسانية التي تُهان حين يُسعر جسدها، وجريمة يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات. ففي اللحظة التي يدخل فيها المال وسيلة أو دافع في عملية التبرع، ينسلخ الفعل عن ثوبه الإنساني ليرتدي ثوب المتاجرة بالبشر، وهنا يتحول من قارب نجاة إلى أداة استغلال تقع تحت طائلة "قانون مكافحة الإتجار بالبشر" و"قانون عمليات زرع الأعضاء البشرية ومنع الإتجار بها رقم (11) لسنة 2016"؛ مما يحول الأطراف المعنية من مساهمين في إحياء نفس، إلى جناة في حق الفرد والمجتمع على حد سواء.
ولإحاطة هذا السلوك الإجرامي، وزع المشرع العراقي المسؤولية الجنائية على طرفين أساسيين في الجريمة: المتبرع (البائع لنفسه)، والجهة الطبية المنفذة، وفق الآتي:
أولاً: المسؤولية القانونية للمتبرع
لقد ضبط المشرع العراقي آلية التبرع وفرض عقوبات واضحة لمن يخالف الشروط القانونية المنظمة لها، حيث نصت المادة (17/ثانياً) من قانون عمليات زرع الأعضاء البشرية ومنع الإتجار بها رقم (11) لسنة 2016 على ما يلي:
البند أولاً: "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن (7) سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسة ملايين دينار ولا تزيد على عشرة ملايين دينار كل من استأصل أو زرع أحد الأعضاء البشرية أو أنسجته خلافاً لأحكام المواد (5 و9 و11) من هذا القانون".
البند ثانياً: "تسري أحكام البند (أولاً) من هذه المادة على المتبرع".
ثانياً: المسؤولية القانونية للكادر الطبي والمؤسسات الصحية
ومن هذا المنطلق، نُسلّط الضوء على الركن الأساسي والجوهري المسؤول عن هذه العملية برمتها، ألا وهو (الكادر الطبي). وبما أن الكادر الطبي هو العمود الفقري في عمليات نقل وزراعة الأعضاء البشرية، فهم "أصحاب الأيادي البيضاء" الذين ائتمنهم المشرع والمجتمع على جسد الإنسان وحياته. ولم يكن دور الطبيب في القانون مجرد دور تنفيذي تقني، بل جعله حارساً للقيم الأخلاقية والقانونية التي تمنع تحول جسد الإنسان إلى سلعة قابلة للتداول.
وتظل تلك الأيادي بيضاء ما دامت تعمل ضمن الإطار القانوني، فمتى ما تكللت هذه العملية بمبالغ مالية أو متاجرة، فإنها تخرج من حصانة "العمل الطبي السامي" لتتلطخ بدماء الجريمة الموصوفة في القانون (المتاجرة بالأعضاء البشرية)؛ وهي ليست جريمة عابرة، بل جوهرها انحراف في ممارسة مهنة سامية.
وقد نُظمت أحكام التجريم والعقاب لهذه الفئة بموجب المواد (17، 18، 19، 20، 21) من قانون عمليات زرع الأعضاء البشرية ومنع الإتجار بها رقم (11) لسنة 2016، والمنشور رسمياً في جريدة الوقائع العراقية حيث تتفاوت العقوبات المفروضة في هذه المواد تبعاً لطبيعة الدور المرتكب وجسامة الفعل،
و تتصاعد العقوبة وتتراوح بين الإعدام أو السجن المؤبد إذا أفضى الفعل الإجرامي (الاستئصال أو الزرع) إلى موت المنقول منه أو المنقول إليه، وللمحكمة سلطة تقدير العقوبة بينهما حسب جسامة وظروف القضية وأيضاً غرامة مالية لاتقل عن عشرين مليون ولاتزيدعلى اربيعين مليون دينارعراقي.
العقوبات التبعية (وفقاً للمادة 21): وتأتي ملازمة ومصاحبة للعقوبة الأصلية لضمان الردع المهني والإداري للمؤسسات والكادر الطبي، وتتمثل في:
أ- الحرمان من مزاولة المهنة (للطبيب المخالف) لمدة لا تقل عن خمس سنوات.
ب- غلق المستشفى أو المحل الذي ارتكبت فيه الجريمة لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على خمس سنوات، مع سحب إجازة العمل نهائياً من المستشفى أو المركز الطبي في حالة تكرار المخالفة.
ومن خلال هذا التدرج العقابي الحازم الموثق تشريعياً، يتضح جلياً حرص التشريع العراقي على صون النفس البشرية من كيد العابثين؛ ليؤكد أن فعل الخير المتمثل في التبرع بالأعضاء لإنقاذ الأرواح هو أسمى غايات الإنسانية، وهذا العطاء النبيل—الذي يكتمل بجهود الكادر الطبي المخلص—هو تماماً ما يبحث عنه القانون ويسعى لحمايته وتنظيمه ليكون باباً للرحمة والشفاء.
وفي المقابل، فإن كل من يلتف على هذه القيم ويلجأ للمتاجرة أو خيانة الأمانة المهنية، لن يجد مخرجاً من العقاب؛ فقبضة القانون العراقي ستكون له بالمرصاد لينال جزاءه العادل في الدنيا، فضلاً عن الحساب الإلهي الذي لا يغفل عن انتهاك حرمة النفس البشرية، ليبقى القانون دائماً حصناً للإنسانية ورادعاً لكل من يحاول المتاجرة بآلام البشر.
