القضاء المآلي والعدالة الذكية: القاضي في مركز الحكم
الأستاذ الدكتور أنور أبو بكر كريم الجاف
كلية القانون - جامعة السلام
ونقصد بالقضاء المآلي: ذلك الاتجاه القضائي الذي يلتزم القاضي فيه بالنص القانوني، لكنه لا يقف عند ظاهره أو عند الأثر المباشر للحكم، بل ينظر ضمن حدود الشرعية إلى مآلات تطبيقه وآثاره العملية على الأفراد والمجتمع، تحقيقًا للغاية التي وُضع القانون من أجلها وصونًا للعدالة من أن تتحول إلى تطبيقٍ آليٍّ مجرد.
فالقاضي المآلي لا يكتفي بالسؤال: ماذا يقول القانون، بل يضيف إليه سؤالًا آخر: ماذا سيصنع تطبيق هذا القانون في الواقع، دون أن يتحول ذلك إلى إهدار للنص أو تقديمٍ للنتائج على الشرعية، وإنما يبقى الحكم متصلًا بالإنسان الذي وُضع القانون أصلًا لخدمته وحمايته.
فما من عصرٍ إلا وحاول أن يبتكر وسيلته الأقرب إلى تحقيق العدالة، لكن العدالة بقيت دائمًا أوسع من أدواتها، لأنها لم تكن يومًا مجرد استخراجٍ للنتائج من النصوص، بل ممارسةً إنسانيةً تجمع بين حكم القانون وفهم الواقع. عرف الإنسان زمنًا كانت فيه القوة تُنتج الحكم، ثم انتقل إلى عصر النصوص والتقنين، ثم إلى عصر المؤسسات والاجتهادات، واليوم يدخل مرحلة جديدة تُطرح فيها مشاريع تحليل الوقائع واستقراء الأحكام وصياغة التوصيات القضائية عبر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي حتى ظهر من يتحدث عن “القاضي الذكي” وكأن العدالة يمكن أن تُختزل إلى معادلة رقمية أو نتيجة حسابية.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: هل تستطيع الآلة أن تُصدر حكمًا، بل: هل تستطيع أن تُحقق عدالة. لأن الفرق بين الحكم والعدالة ليس فرقًا في الدرجة، بل فرقٌ في الطبيعة، فالحكم قد يكون صحيحًا من جهة الشكل أو الإجراء، أما العدالة فهي ثمرة تفاعل النص والواقع والضمير والخبرة الإنسانية.
التقنيات الحديثة ليست خصمًا للقضاء، بل إن كثيرًا من وجوه التطور القضائي المعاصر لا يمكن تصورها دون أدوات التحليل والبحث وسرعة الوصول إلى المعلومات وربط السوابق القضائية واستشراف الاحتمالات القانونية. إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى مرجعية، وعندما يُظن أن وفرة البيانات تغني عن تراكم الخبرة، وأن سرعة المعالجة تغني عن حكمة الترجيح.
هذه الإشكالية لم تكن غريبة عن الفقه ولا عن القانون العراقي. فقد استقر أصل فقهي مشهور مؤداه: “لا يُنكَر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان” وهو أصل لا يراد به تبديل الثوابت أو إهدار النصوص أو تعليق الشرعية على تغير الأمزجة، وإنما الإقرار بأن تطبيق الأحكام على الوقائع يحتاج إلى فهم ظروف الناس وأحوالهم ومتغيرات المجتمع.
وقد وجد هذا المعنى طريقه إلى القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 حين نصت المادة (5) على أنه: “لا يُنكر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان”. وهذه المادة على قصرها من أكثر النصوص القانونية عمقًا لأنها تعترف ضمنًا بأن ثبات النص لا يعني جمود تطبيقه.
وإذا كان القانون نفسه يعترف بأن تغير الزمان يؤثر في تنزيل الأحكام، فكيف يمكن التسليم بأن العدالة يمكن أن تُدار بالكامل عبر نماذج جامدة لا ترى إلا البيانات، ولقد سبق الأدب العربي إلى بيان منزلة الوسيلة حين قال الشاعر:
لا تَطلُبَنَّ بآلةٍ لك رتبةً……….قَلَمُ البليغِ بغيرِ حظٍّ مِغزلُ
فالبيت لا ينتقص من قيمة الأداة، وإنما يضعها في موضعها الطبيعي، فالآلة قد تُعين صاحبها لكنها لا تُنشئ فضيلته، والقلم لا يصنع أديبًا كما أن التقنية لا تصنع قاضيًا.
ولهذا فإن القاضي لا يبدأ من النص وحده، وإنما يبدأ من الإنسان. وليس المقصود بذلك تقديم الإنسان على القانون أو إطلاق سلطة القضاء خارج حدود الشرعية، لأن العقل والنص – أو بلغة الأصول: الاجتهاد والنقل – توأمان، فالنص بلا فهم قد يتحول إلى جمود، والفهم بلا نص قد يتحول إلى هوى. والقاضي الحق ليس ناسخًا لعبارات القانون ولا مشرعًا جديدًا، وإنما هو المترجم الأمين بين إرادة النص وحركة الواقع.
ويتجلى هذا المعنى بصورة أوضح في القانون الدستوري. فالدستور – على الرغم من كونه أعلى قاعدة قانونية في الدولة – هو أكثر النصوص احتياجًا إلى الاجتهاد، لأنه لا يُكتب للحظة سياسية عابرة وإنما يُكتب لأجيال متعاقبة. ولهذا تأتي كثير من مواده عامة وقابلة لأكثر من احتمال. والاجتهاد في تفسير الدستور ليس خروجًا عليه، وإنما استخراج لأحد معانيه الممكنة بما يحقق مقاصده ويحفظ بنيته.
ومن الأمثلة العراقية الدالة على ذلك ما تعلق بتفسير المادة (76/أولًا) من الدستور الخاصة بتكليف مرشح “الكتلة النيابية الأكثر عددًا” إذ لم يحسم النص بصورة صريحة المقصود بالكتلة، فكان لا بد من ترجيح أحد الاحتمالين وفق طبيعة النظام البرلماني وآثار كل تفسير على استقرار الدولة. وهنا يتبين أن الاجتهاد ليس نقصًا في النص، بل أحيانًا هو الذي يحفظ النص من أن يفقد صلته بالحياة.
وقد عرف الفكر القانوني الحديث اتجاهًا قريبًا من هذا التصور فيما سُمّي: "بالبراغماتية" أو الذريعة القضائية، وارتبط ذلك بالقاضي الأمريكي أوليفر وندل هولمز الابن Oliver Wendell Holmes Jr الذي عُرف بفكرة أن القانون لا يعيش بالمنطق المجرد وحده، وإنما بالتجربة وآثار الأحكام العملية. غير أن البراغماتية – مع قيمتها – قد تُفضي إذا أُطلقت إلى جعل النجاح العملي معيارًا أعلى من الشرعية.
أما التصور الأصولي الإسلامي فقد قدم نموذجًا أكثر توازنًا، لأنه لم يجعل النتيجة حاكمة على النص، وإنما جعل النظر في النتيجة جزءًا من حسن فهم النص، وقد أصل الإمام أبو إسحاق الشاطبي لهذا المعنى عندما قرر أنّ النظر في مآلات الأفعال معتبر في الاجتهاد، وأنّ المجتهد لا يقف عند ظاهر الحكم بل ينظر إلى أثره وما يؤول إليه.
ويتصل بذلك ما قرره الفقهاء في قاعدة: “المتوقَّع كالواقع”، وهي متفرعة عن أصل: “الغالب كالمحقق” ومؤداها أن العدالة لا تنتظر دائمًا اكتمال الضرر حتى تتحرك، لكنها أيضًا لا تبني أحكامها على الوهم. ولهذا تعرف الأنظمة القضائية الأوامر الوقتية والتدابير التحفظية والحجز ومنع السفر وغيرها من الوسائل التي لا تحكم على المستقبل، وإنما تحمي الحاضر من مستقبل ظهرت أماراته.
ويتجسد القضاء المآلي بصورة عملية في حياة القاضي اليومية. ففي دعاوى الحضانة مثلًا قد يقرر القانون أصلًا عامًا في الأحقية، لكن المحكمة لا تتوقف عند السؤال: من الأحق قانونًا، بل تبحث أيضًا: أين تتحقق مصلحة الطفل فعلًا. فإذا ظهر أن التطبيق الحرفي للنص يؤدي إلى اضطراب الطفل أو الإضرار باستقراره أو تعطيل مصلحته، فإن مراعاة هذه المصلحة لا تكون خروجًا على القانون، بل تطبيقًا أعمق له.
وكذلك الأمر في القضاء الإداري، فقد يكون القرار مشروعًا من حيث الأصل لكن تنفيذه الفوري يؤدي إلى نتائج لا تتناسب مع الغاية التي شُرع لأجلها، فتكون العدالة في حسن تنزيل القرار لا في تعطيله ولا في تنفيذه بصورة عمياء.
فالقاضي المآلي لا ينظر إلى أين ينتهي النص فقط، بل إلى أين يبدأ أثره. وهو لا يرى ما وراء الحكم لأن النص ناقص، بل لأن الإنسان أوسع من أن تُحيط به الصياغة القانونية وحدها.
لهذا فإن مستقبل العدالة لا ينبغي أن يُبنى على ثنائية: قاضٍ أو آلة، وإنما على معادلة أكثر نضجًا: قاضٍ يفكر وتقنية تساعد. فالذكاء الاصطناعي قد يقرأ آلاف الأحكام، أما القاضي فيقرأ الإنسان، وقد تُنتج الآلة قرارًا صحيحًا، لكن العدالة لا تبحث عن القرار الصحيح وحده، بل عن القرار الذي يبقى الإنسان قادرًا على أن يثق به.
