shape
shape

الحماية الجنائية لحرمة القبور والموتى في القانون العراقي

الحماية الجنائية لحرمة القبور والموتى في القانون العراقي

الحماية الجنائية لحرمة القبور والموتى في القانون العراقي

بقلم: المدرس المساعد محمود محمد سالم 

 

لا تنتهي حرمة الإنسان بموته؛ فهي تمتدّ إلى جثمانه ومثواه الأخير، وتظلّ قيمةً قانونيةً واجتماعيةً ودينيةً جديرةً بالحماية، وقد أحاط المشرّع العراقي هذه الحرمة بسياجٍ من النصوص الجزائية، إدراكاً منه أنّ القبر ليس حجراً صامتاً، بل أثرٌ لكرامةٍ إنسانيةٍ يعجز صاحبها عن الذود عنها بعد رحيله، فناب القانون عنه في ذلك.

 

وتزداد أهمية هذا الموضوع مع تكرار وقائع المساس بالمقابر والشواخص، ومنها واقعةٌ تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً: إذ طالب عاملون في إحدى المقابر مواطناً بدفع «إكراميات» خارج النطاق القانوني مقابل سقي النبات وتنظيف القبر والعناية بالشاخص، فلمّا امتنع عن دفعها — وهو في امتناعه على حقّ — أقدموا انتقاماً منه على هدم الشاخص وتشويهه، وتتيح هذه الواقعة مدخلاً عملياً لبيان موقف القانون العراقي من هذه الأفعال.

 

أولاً: تجريم انتهاك حرمة القبور والشواخص

 

جرّم المشرّع العراقي الاعتداء على القبور صراحةً، فنصّت المادة (373) من قانون العقوبات على معاقبة من انتهك أو دنّس حرمة قبرٍ أو مقبرةٍ أو نصبٍ لميت، أو شوّه عمداً شيئاً من ذلك، بالحبس والغرامة أو بإحدى العقوبتين، وهدمُ الشاخص — وهو النصب القائم على القبر — يندرج مباشرةً ضمن صور «تشويه نصب الميت» التي قصدها النصّ، فلا يُشترط لقيام الجريمة هدمُ القبر بالكامل، بل يكفي العبث المتعمّد بمعالمه أو تشويهها.

 

ثانياً: حماية حرمة الجثة والرفات

 

وإلى جانب حماية البناء، صان المشرّع حرمة الجسد ذاته، فنصّت المادة (374) على معاقبة من انتهك عمداً حرمة جثةٍ أو جزءٍ منها أو رفاتٍ آدمية، والجدير بالملاحظة أنّ المشرّع شدّد العقوبة إذا وقع الفعل انتقاماً من الميت أو تشهيراً به، 

وهو ظرفٌ بالغ الدلالة في وقائع كالواقعة محلّ البحث، حيث يكون الباعث الانتقامي حاضراً بوضوح.

 

ثالثاً: الأوصاف الجرمية المتلاحقة (التهديد والإتلاف)

 

لا يقف التكييف القانوني عند جرائم المقابر وحدها؛ فاشتراطُ مبلغٍ ماليٍّ خارج الإطار القانوني مقابل أداء خدمةٍ، ثمّ الانتقامُ عند الرفض، قد يشكّل في ذاته جريمةً مستقلّة، فالحملُ على دفع المال بطريق التهديد أو الإكراه تعالجه نصوص قانون العقوبات الخاصة بالتهديد والابتزاز.

 

كما أنّ هدم الشاخص يقوم به ركن جريمة الإتلاف العمدي لمال الغير، إذ إنّ الشاخص مالٌ مملوكٌ لذوي المتوفى، وإتلافه عمداً مع العلم بعدم المشروعية فعلٌ مؤثّمٌ بذاته، وبذلك قد تتعدّد الأوصاف الجرمية في الواقعة الواحدة، فتجتمع جريمةُ المساس بحرمة القبر مع جريمة الإتلاف، وربما مع جريمة التهديد، وتطبَّق في شأنها قواعد تعدّد الجرائم.

 

رابعاً: حقّ المواطن في الامتناع وفي الشكوى

 

يترتّب على ما تقدّم نتيجةٌ عمليةٌ مهمّة: لا يُلزَم المواطن قانوناً بدفع أيّ «إكرامية» أو مبلغٍ خارج الرسوم الرسمية مقابل صيانة قبرٍ أو العناية به، وامتناعه عن الدفع ممارسةٌ مشروعةٌ لحقّه لا يجوز أن يُقابَل بأيّ عدوان، فإذا قوبل هذا الامتناع بالاعتداء على القبر أو الشاخص، انقلب الموقف إلى جريمةٍ يتحمّل مرتكبها مسؤوليتها كاملة.

 

ومن حقّ المتضرّر — وهو هنا صاحب الشأن من ذوي المتوفى — أن يتقدّم بشكوى رسمية إلى الجهات المختصّة لتحريك الدعوى الجزائية، مدعومةً بما يتيسّر من أدلة كالصور ومقاطع الفيديو وشهادة الشهود، وقد دعت الجهات القضائية العراقية إلى التعامل بجدّية مع هذا النوع من الجرائم لما يمسّ من قيمٍ إنسانيةٍ ودينيةٍ راسخة.

 

إنّ حماية حرمة الموتى ومقابرهم ليست شأناً أخلاقياً محضاً، بل التزامٌ قانونيٌّ رتّب المشرّع العراقي على مخالفته عقوباتٍ واضحة، ومن واجب كلّ مواطنٍ أن يعلم أنّ القانون يقف إلى جانبه في رفض الابتزاز، وأنّ صمته عن الاعتداء يُغري بتكراره، فالإبلاغ عن مثل هذه الوقائع ليس انتقاماً، بل صونٌ لكرامة من رحلوا، وحمايةٌ لحقّ من سيأتون بعدهم في مثوىً آمنٍ لا تُنتهك حرمته.