مشروع قانون الموازنة العامة من منظور المحكمة الاتحادية العليا العراقية
المدرس الدكتور لقاء عبد السادة
كلية القانون - الجامعة المستنصرية
يشكل مشروع قانون الموازنة العامة الركيزة الأساسية في البناء المالي للدولة، فهو الإطار القانوني الذي تترجم من خلاله السياسة الاقتصادية إلى أرقام والتزامات مالية تحدد مسار الإنفاق العام وحجم الإيرادات المتوقعة خلال السنة المالية. ولأن الموازنة ترتبط بصورة مباشرة بإدارة المال العام، فقد حرص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على تنظيم آلية إعدادها وتقديمها ضمن مدد دقيقة تهدف إلى تحقيق التوازن بين السلطات وضمان سلامة القرار المالي للدولة.
وقد عاد هذا الموضوع إلى واجهة النقاش الدستوري مجدداً بعد صدور القرار التفسيري للمحكمة الاتحادية العليا بالعدد (88/اتحادية/2024)، الذي تناول تفسير المادة (60/أولاً) من الدستور، والمتعلقة بآلية تقديم مشروعات القوانين، ليضع حداً لإشكالية قانونية استمرت سنوات بشأن مدى صلاحية رئيس الجمهورية في تقديم مشروعات القوانين، وما إذا كان هذا الاختصاص يمتد ليشمل مشروع قانون الموازنة العامة.
في قرارها المذكور، انطلقت المحكمة من قراءة دستورية متكاملة للنظام القانوني العراقي، وقررت أن النص الوارد في المادة (60/أولاً) من الدستور والذي جاء فيه أن " مشروعات القوانين تقدم من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء "، يفيد منح كل من الجهتين صلاحية مستقلة في تقديم مشروعات القوانين، بوصفهما جزءاً من السلطة التنفيذية وفق البناء الدستوري للدولة. إلا أن المحكمة وضعت استثناءً بالغ الأهمية يتعلق بمشروع قانون الموازنة العامة والحساب الختامي، مؤكدة أن هذا النوع من المشروعات لا يخضع للقاعدة العامة ذاتها، بل يتمتع بخصوصية دستورية تفرض تنظيماً مختلفاً.
ويستند هذا التوجه إلى الطبيعة القانونية الخاصة للموازنة العامة، فهي ليست قانوناً عادياً ينظم مسألة اجتماعية أو إدارية أو تنظيمية، وإنما تمثل الخطة المالية السنوية للدولة وتعكس السياسة الحكومية في إدارة الموارد العامة وتوزيع النفقات وتحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية. ومن ثم فإن الجهة التي تتولى تنفيذ السياسة العامة للدولة هي ذاتها الجهة التي يجب أن تتولى إعداد مشروع الموازنة وتقديمه .
ومن هذا المنطلق أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن مجلس الوزراء هو صاحب الاختصاص الدستوري الأصيل والحصري في إعداد مشروع قانون الموازنة العامة، استناداً إلى المادة (80/ثانياً) من الدستور التي منحت المجلس صلاحية اقتراح مشروعات القوانين، فضلاً عن كونه الجهة التنفيذية المسؤولة عن إدارة السياسة المالية للدولة وتنفيذ الإنفاق العام بعد إقرار الموازنة.
الأهمية الحقيقية لهذا القرار لا تتوقف عند مجرد تفسير نص دستوري، بل تمتد إلى تكريس مبدأ بالغ الأهمية في القانون المالي العام، وهو أن إدارة المال العام لا يمكن فصلها عن المسؤولية التنفيذية. فالموازنة العامة ليست مجرد وثيقة حسابية أو إجراء تشريعي وإنما هي برنامج حكومي متكامل، وأي إخلال بتحديد الجهة المختصة بإعدادها قد يؤدي إلى اضطراب السياسة المالية وخلق حالة من التداخل بين الاختصاصات الدستورية للسلطات العامة.
كما أن القرار يعكس توجهاً قضائياً واضحاً نحو حماية مبدأ الفصل بين السلطات، ومنع التوسع في تفسير النصوص الدستورية على نحو يؤدي إلى إضعاف الاختصاصات المالية للسلطة التنفيذية. فإتاحة المجال لتعدد الجهات التي تمتلك حق تقديم مشروع الموازنة قد يفتح الباب أمام تضارب الرؤى المالية ويؤثر في مبدأ وحدة الموازنة، الذي يعد من المبادئ الجوهرية في المالية العامة الحديثة.
ويمكن القول إن المحكمة الاتحادية العليا من خلال هذا القرار لم تقدم تفسيراً إجرائياً لنص المادة (60/أولاً) فحسب، بل أرست قاعدة دستورية ذات أثر مباشر في حماية النظام المالي للدولة، مؤداها أن مشروع قانون الموازنة العامة يتمتع بخصوصية قانونية ودستورية تميزه عن بقية مشروعات القوانين، وأن هذه الخصوصية تقتضي قصر سلطة تقديمه على مجلس الوزراء بوصفه الجهة التي تتحمل مسؤولية إدارة المال العام أمام الدولة والمجتمع.
ختاماً وفي ظل التحديات المالية التي تواجه العراق يكتسب هذا الاتجاه القضائي أهمية استثنائية، لأنه يؤكد أن الانضباط المالي لا يتحقق فقط عبر حسن إدارة الموارد، بل يبدأ أولاً من احترام القواعد الدستورية التي تنظم إنتاج القرار المالي نفسه، وفي مقدمتها القواعد المتعلقة بإعداد وتقديم مشروع قانون الموازنة العامة.
