shape
shape

جريمة التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي

جريمة التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي

جريمة التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي

بقلم: المحامي الدكتور فاخر علوان الساعدي

 

شهد العراق في الاونة الأخيرة تطوراً ملحوظاً في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي حيث أصبحت منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لملايين العراقيين. ومع تنامي استخدام الإنترنت وانتشار الهواتف الذكية، برزت تحديات قانونية جديدة  أبرزها استخدام هذه المنصات في التحريض على ارتكاب الجرائم، الأمر الذي يستدعي دراسة معمقة لأحكام المادة  ٤٨ / ١ من قانون العقوبات العراقي. وتفعيلها مع ما يتلائم مع المتطلبات الاجتماعية والحفاظ على مجتمع متماسك وحماية الامن المجتمعي.

 

يُعرف التحريض في القانون الجنائي بأنه ( خلق فكرة الجريمة وخلق العزم على ارتكابها في ذهن مرتكب الجريمة وبأي طريقة كانت ) فما يقوم به المحرض هو دافع معنوي للجاني أي تهيئة نفسية وذهنية لارتكاب الجريمة، وعمله هو عمل فكري أكثر من كونه مادياً.  وبذلك فهو عمل تحضيري يسبق ارتكاب الجريمة وليس عملاً تنفيذياً.

تنص المادة ٤٨  من قانون العقوبات العراقي على أنه ( يعد شريكاً في الجريمة ١/  من حرض على ارتكابها فوقعت بناء على هذا التحريض ) وهذه المادة تحدد ركناً أساسياً لقيام جريمة التحريض.
وهو وقوع الجريمة فعلاً نتيجة لهذا التحريض. فالمشرع العراقي اشترط لاعتبار المحرض شريكاً أن تتحقق علاقة سببية بين التحريض والجريمة التي وقعت، فلا يكفي مجرد التحريض دون وقوع الجريمة، وهو ما يميز هذا النوع من التحريض عن غيره في بعض التشريعات الأخرى التي قد تجرم التحريض بذاته.

 

ويشير الفقه الجنائي إلى أن "التحريض هو إبداء الدافع والتحفيز على ارتكاب سلوك إجرامي معين، ويكون هذا التحفيز بقصد دفعه للقيام بالجريمة، أو مجرد محاولة خلق العزيمة فيه". وبموجب المادة  ٤٨ / ١ يُعد محرضاً كل من شجع أو دفع أو حاول تشجيع أي شخص وبأية وسيلة كانت على ارتكاب السلوك الإجرامي، شريطة أن تقع الجريمة بناءً على هذا التحريض.

 

خصوصية التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي

 

تتميز وسائل التواصل الاجتماعي بخصائص تجعل منها بيئة خصبة للتحريض . منها سرعة الانتشار واتساع رقعة الجمهور المتلقي .وضعف الرقابة على المحتوى المنشور، وإمكانية إخفاء هوية المحرض أو استخدام حسابات وهمية .
بالإضافة إلى سهولة إعادة النشر والمشاركة مما يضاعف أثر التحريض. وقد خلصت دراسات قانونية إلى أن "وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً محورياً في تسهيل أنشطة التحريض بسبب انتشارها السريع وغياب الضوابط الكافية لمنع إساءة استخدامها".

 

لا بد لتطبيق أحكام المادة  ٤٨ / ١ من توافر أركان محددة في جريمة التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

أولاً: - الركن المادي ويتحقق بقيام المحرض بنشر محتوى تحريضي عبر منصة تواصل اجتماعي، سواء كان ذلك عبر كتابة منشور، أو نشر فيديو، أو إرسال رسائل مباشرة، أو أي وسيلة أخرى متاحة على هذه المنصات.

ثانياً: -الركن المعنوي ويتمثل في توافر القصد الجنائي لدى المحرض، أي إرادته في حمل الغير على ارتكاب الجريمة، مع علمه بالطبيعة الإجرامية للفعل الذي يحرض عليه.

ثالثاً: -وقوع الجريمة بناءً على التحريض، وهذا هو الشرط الجوهري الذي تستند إليه المادة  ٤٨ / ١ فلا يُعتبر المحرض شريكاً إلا إذا وقعت الجريمة بالفعل وكان التحريض سبباً في وقوعها. وهنا تبرز صعوبات الإثبات في جرائم التحريض الإلكتروني، حيث قد يكون من العسير إقامة العلاقة السببية بين التحريض والجريمة الواقعة، خاصة في ظل صعوبة تتبع الأدلة الرقمية وإثبات أن الجاني استجاب فعلاً لذلك التحريض.

 

تحديات الإثبات في جرائم التحريض الإلكتروني

 

تواجه الأجهزة القضائية والرقابية تحديات كبيرة في إثبات جرائم التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن أبرزها
اولاً/ صعوبة إثبات العلاقة السببية بين التحريض والجريمة الواقعة، حيث لا بد من إثبات أن الجريمة وقعت نتيجة مباشرة لذلك التحريض وليس لعوامل أخرى.
ثانيا ً / مشكلة الأدلة الرقمية، حيث يحتاج إثبات الجريمة إلى الاستعانة بخبراء في الأدلة الرقمية لاستخلاص المحتوى المنشور وتوقيته وتحديد مصدره، خاصة في حال استخدام حسابات وهمية أو برامج تشفير.
ثالثا ً / صعوبة تحديد هوية المحرض في بعض الأحيان، خاصة إذا كان يستخدم وسائل تقنية متطورة لإخفاء هويته أو إذا كان مقر الحساب في خارج العراق.

 

العقوبة المقررة

 

حين يثبت التحريض وتقع الجريمة بناءً عليه، يُعاقب المحرض بموجب المادة 48/1 بالعقوبة المقررة للجريمة التي حرض على ارتكابها، باعتباره شريكاً فيها. وهذا ما يؤكد أهمية هذه المادة، إذ إنها تجعل المحرض مسؤولاً جنائياً كالمسؤولية المقررة للفاعل الأصلي، بشرط أن يكون التحريض جدياً ومؤثراً ومن شأنه تحقيق غايته.

 

خاتمة

 

يُشكل التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحدياً قانونياً وقضائياً متجدّداً في العراق، إذ تجمع بين سهولة النشر واتساع الانتشار وصعوبة الإثبات. وتأتي المادة 48/1 من قانون العقوبات العراقي كأداة قانونية مهمة لملاحقة المحرضين، إذ تضعهم في دائرة المسؤولية الجنائية كشركاء في الجريمة متى وقعت الجريمة بناءً على تحريضهم. لكن تبقى هناك حاجة إلى تطوير الآليات القانونية والتقنية لمواكبة تطور وسائل التواصل، وتعزيز الوعي الرقمي لدى المواطنين، وتدريب الكوادر القضائية على التعامل مع الأدلة الرقمية، بما يضمن تحقيق العدالة وحماية المجتمع من أخطار التحريض الإلكتروني.