تأملات دستورية: هل يسبق القانون عصره؟
بقلم: المدرس المساعد سوسن خيري عبدالله
قسم القانون - كلية المنصور الجامعة
ليس الدستور مجرد وثيقة قانونية تُنظم شكل الدولة وتوزع الاختصاصات بين سلطاتها ، بل هو رؤية للمستقبل قبل ان يكون استجابة للحاضر ، فالدساتير التي تُكتب لمعالجة آرمات اللحظة وحدها سرعان ما تكشف الايام قصورها ، اما الدساتير التي تُساير التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية فأنها تمتلك قدرة اكبر على الاستمرار ومواكبة تطور الدولة والمجتمع.
ومن هنا يثار تساؤل يستحق التأمل : هل يسبق الدستور عصره ، أم يكتفي بتسجيل واقع سياسي قائم فقط ؟وأجابتنا على ذلك لا تتعلق بالنصوص الدستورية وحدها بل بالفلسفة التي يقوم عليها الدستور ذاته ، فالنص الدستوري الناجح لا يلاحق الاحداث بعد وقوعها بل يضع مبادئ عامــــة تسمح للنظام الدستوري بالتكيف مع المتغيرات دون الإخلال بالثوابت ولعل هــــذا ما يفسر بقاء بعض الدساتير لعقود طويلة رغم تعاقب الاجيال وتغير الظروف ; إذ لـــم يكن السر في استمرارهــــا كثرة التعديلات ، انما مرونة مبادئها وقدرتها على استيعاب الوقائع والظروف المستجدة من خلال التفسير الدستوري السليم والاعراف الدستورية التي تتشكل مع تطور الحياة السياسية مــــن غير ان تمس جوهـــر الشرعيــــة الدستورية.
وفي هذا السياق تؤكد التجارب الدستورية ان النصوص وحدها لا تكفي لبناء دولة مستقرة انما يجب ان تقترن فعاليتها بوجــــود ثقافة دستورية تؤمـــــن بسيادة الدستور واحترام مبدا الفصل بين السلطات وصيانة الحقوق والحريات ، وهي المبادئ التي تجعل الدستور وثيقة حية مرنة تتفاعل مع الزمن بدل أن تتحول الى نص جامد لا يواكب المستجدات.
اذا كان الدستور يمثل العقد الذي تنتظم في اطاره السلطة والحرية فأن قيمته الحقيقية لا تقاس بقدرتــه على تنظيم واقع فحسب وانما بقدرته على استيعاب واقع لــــــــمْ يَولد بَعد ْ ، فالدساتير العظيمة لا تكتفي بوصف المجتمع كما هـــو بل ترسم له الاتجاه الذي ينبغي أن يسير نحوه ، لذلك فأنها تتضمن مبادئ عامة تتجاوز الظروف الآنية لتظل صالحة مــــع تغير الازمنة وتبدل الاجيال ، ومـــــن هنا فإن سَبْـقْ الدستور لعصره لا يعني أن تتنبأ بالتفاصيل او بالأحداث المستقبليــــة ، وانما أن يؤسس منظومـــــــة مـــن القيم والمبادئ المرنــة التي تسمح للنظام الدستوري باستيعاب التحولات دون أن يفقـــد هويتـــه فالدستور حينما يقرر حماية الكرامة الانسانية ، او يكرس مبدأ المساواة او يضمن حرية التعبير وسيادة القانون ، فأنه لا يخاطب جيلا بعينه وانما يضع قواعد تمتد أثارهــا الى المستقبل ، مهما تغيرت الوسائل او تطورت التقنيات او تبدلت الانظمة السياسية ، ولعل التطورات المتسارعة التي يشهدهـــا العالم اليوم وفي مقدمتها الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي ، تقدم مثالا واضحا على اهمية هذا النوع من الصياغة الدستورية ، فمع أن اغلب الدساتير الحديثة وُضعت قبل ظهور هـــذه التقنيات فان الدساتير التي استندت الى مبادئ عامـــة راسخة استطاعت ان توفر اساسا دستوريا لمعالجة الاشكاليات الجديدة مــــن خلال التفسير القضائي والاجتهاد الدستوري دون الحاجة الى تعديل نصوصها مع كل تطور تقني.
والحديث عن الدستور كونه وثيقة تتفاعل مع الزمن يؤدي بنا الى تساؤل اكثر عمقا هــــو : ما الذي يجعل بعض الدساتير قادرة على عبور العقود والاجيال ، في حين تفقد اخرى فاعليتها بعد سنوات قليلة من إقرارها ؟ والجواب هنا لا يكمن في طول النصوص او كثرة احكامها بل في قدرتها على الجمــــع بين الثبات والتجدد ، فالدستور الناجح هــــو الذي يرسي مبادئ راسخة لا تتغير بتغير الحكومات والظروف وفي الوقت ذاتـــه يترك مساحــــة كافية للاجتهاد والتفسير بما يسمــــح باستيعاب التحولات السياسيـــة والاجتماعية والاقتصادية .وقد اثبتت التجارب الدستورية المقارنة ان الدساتير التي كُتبت بلغة عامـــــــة ومبادئ مرنة كانت اكثر قدرة على الاستقرار مــــــن تلك التي انشغلت بتفصيلات مرحلية او استجابة لضغوط سياسية مؤقتة ، فالدستور الذي يسعى الى معالجة مشكلات الحاضر فقط قـــد يجد نفسه عاجزا امام تحديات المستقبل ، امـــــا الدستور الذي يُؤسس لقيم عليا ومبادئ مستقرة ، فأنه يظل قادرا على مواكبة التحولات دون ان يفقد هويته او يمس جوهر الشرعية الدستورية .ولعل العالم اليوم يقدم مثالا واضحا على ذلك فالتطورات المتسارعة في مجالات التقنية والاقتصاد والاتصال ، وما افرزته مـــن قضايا جديدة تتعلق بحماية البيانات والخصوصية والذكاء الاصطناعي والحقوق الرقمية ، لـــــم تكن حاضرة في اذهان واضعي كثير من الدساتير الحديثة ، ومع ذلك استطاعت الانظمة الدستورية الراسخة ان تتعامل مع هذه المستجدات من خلال التفسير القضائي والاجتهاد الفقهي وتطوير المفاهيم الدستورية الامر الذي يؤكد أن حيوية الدستور لا تقاس بعدد تعديلاته وانما بقدرته على التكيف مـــــــــع المستقبل ومن هنا فأن سَبْقْ الدستور لعصره لا يعني أن يتنبأ بالأحداث او أن يضع حلولا تفصيلية لكل ما قد يقع وانما ان يمتلك من المرونة والحكمة ما يجعله قادر على توجيه حركة المجتمع في اطار مـــن الشرعية وسيادة القانون ، واحترام الحقوق والحريات ، فالدستور ليس سجـــلا للواقــــع فحسب ، بل مشروعـا للمستقبل ورؤية تسعى الى تحقيق التوازن بين ما هو ثابت وماهوا متغير.
واذا كان الدستور هو الوثيقة القانونية الاعلى في الدولة فان قيمته الحقيقية لا تقاس بعدد نصوصه او حداثة صياغته انما بقدرته على حماية الانسان وصون كرامته وترسيخ سيادة القانون في الواقع العملي فالدساتير لا تُكتب لتُحفظ في السجلات انما لتكون مرجعا يوميا يوجه عمل السلطات ويكفل الحقوقوالحريات ويحقق التوازن بينها ، ومن هنا فأن نشر الثقافة الدستورية لم يَعُد ترفا فكريا بل اصبح ضرورة وطنية تسهم في بناء مجتمع يدرك حقوقه وواجباته ويؤمن بأن احترام الدستور هو الطريق الاوثق لدولة المؤسسات والعدالة والاستقرار.
