shape
shape

الزواج المبكر وحقوق الفتيات في العراق

الزواج المبكر وحقوق الفتيات في العراق

الزواج المبكر وحقوق الفتيات في العراق

بقلم: الأستاذ الدكتور أنور الجاف

قسم القانون- كلية السلام الجامعة

 

قد تُسأل فتاة في السادسة عشرة وسط أفراد أسرتها، هل تقبلين بهذا الزواج، فتقول نعم، ثم تُحمل هذه الكلمة القصيرة على أنها رضا كامل، مع أن كتبها المدرسية لم تغادر رفها بعد، وخبرتها بالحياة لا تزال في بدايتها، وقد تجد نفسها بعد أيام مطالبة بأن تكون زوجة تدير بيتًا، ثم أمًا تتحمل حملا وولادة ومسؤولية طفل، المشكلة ليست أن الزواج شر في ذاته، ولا أن كل أسرة تريد الأذى لابنتها، بل أن العقد قد يسبق اكتمال الحماية، فتتقدم آثاره القانونية والاجتماعية على قدرة الفتاة على فهمها واحتمالها.


ولهذا لا يكفي أن نسأل: هل انعقد الزواج صحيحًا، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: هل كان الاختيار حرًا، وهل كانت الفتاة مهيأة لما يترتب عليه، وهل بقيت حقوقها في التعليم والصحة والأمان قائمة بعد العقد. وليس كل زواج قبل الثامنة عشرة زواجًا قسريًا، كما أن حسن نية الأهل لا يُنكر، لكن حسن النية لا يقوم مقام الضمانات، والعادة لا تحول الخطر إلى مصلحة، وموافقة الولي لا تغني عن إرادة الفتاة نفسها.


وفي المعنى الحقوقي  يُقصد بالزواج المبكر كل زواج يقع قبل إتمام الثامنة عشرة، لا لأن النضج يهبط على الإنسان دفعة واحدة في يوم ميلاده، بل لأن الحماية القانونية تحتاج حدًا عامًا يحتاط للطفولة ويمنع أن يتحول تفاوت النضج بين الأفراد إلى باب واسع للتعجل والضغط، فالبلوغ البيولوجي شيء، وأهلية التصرف القانوني شيء آخر، والاستعداد النفسي والاجتماعي لإدارة أسرة شيء ثالث، وقد تجتمع هذه المعاني وقد يفترق بعضها عن بعض.

 

ولا تسمح البيانات الرسمية باعتبار المسألة حالات نادرة، فمؤشرات هيئة إحصاء إقليم كوردستان المستندة إلى المسح العنقودي متعدد المؤشرات لسنة ٢٠١٨ بينت أن ٢٠٫٩ بالمئة من النساء في الإقليم بعمر ٢٠ إلى ٤٩ سنة كن قد تزوجن قبل الثامنة عشرة، وأن ٥٫٦ بالمئة منهن تزوجن قبل الخامسة عشرة، مقابل ٢٤٫٨ بالمئة و٦ بالمئة في العراق كله، وهذه ليست نسبة عقود سنة واحدة، بل قراءة للتاريخ الزواجي للنساء في الفئة المذكورة، لكنها تكفي للدلالة على أن الزواج المبكر ليس استثناء اجتماعيًا هامشيًا يمكن تركه للمعالجة الفردية وحدها.

 

وقد جعل قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم ١٨٨ لسنة ١٩٥٩ إكمال الثامنة عشرة أصلا لتمام أهلية الزواج، ثم أجاز الإذن القضائي استثناءً ضمن شروط محددة، وفي إقليم كوردستان عدل القانون رقم ١٥ لسنة ٢٠٠٨ الفقرة الأولى من المادة الثامنة، فجعل طلب الإذن لمن أكمل السادسة عشرة، مع بقاء حالة الضرورة القصوى في الفقرة الثانية لمن بلغ الخامسة عشرة، كما اعترف للأم بالولاية عند وفاة الأب أو غيابه إذا كانت حاضنة، وحظر إكراه الرجل أو المرأة على الزواج. وحتى التعديل الاتحادي لسنة ٢٠٢٥ لم يجعل سن الزواج بابًا مفتوحًا للتخفيض، بل أبقى القيد المرتبط بالمادة الثامنة قائمًا.


غير أن الخطر لا يكمن في وجود الاستثناء وحده، بل في اتساعه حتى يزاحم الأصل، فعندما يُبرم الزواج خارج المحكمة، ثم يُعرض على القضاء بعد الحمل أو الإنجاب، يجد القاضي أمامه واقعًا يحتاج إلى حماية النسب والزوجة والطفل، فيتحول من حارس سابق على شروط الزواج إلى مسعف لاحق لآثاره، وقد يكون تثبيت الحقوق لازمًا في الحالة القائمة، لكن ذلك لا ينبغي أن يمحو مسؤولية من تجاوز المحكمة، ولا أن يجعل الحمل طريقًا عمليًا لفرض التصديق، فالفتاة والطفل يحتاجان الحماية، أما المخالفة فينبغي أن تبقى محل مساءلة من صنعها.


والرضا في هذا الموضع لا يُقاس بمجرد جواب قصير أمام الأسرة، فالحرية الحقيقية هي قدرة الفتاة على أن تقول: لا، من دون خوف من الطرد أو العار أو قطع النفقة أو إيذاء أحد من أهلها، لذلك ينبغي أن يسمعها القاضي على انفراد، وأن يتأكد من فهمها لطبيعة الزواج وآثاره، ومن معرفتها بحقوقها في الدراسة والنفقة والسكن والطلاق والحضانة، وأن يسألها عما تريده هي، لا عما حفظته لتقوله إن كلمة نعم لا تكون حرة لمجرد أنها نُطقت، إذا كانت كلفة الرفض فوق طاقة قاصر.


والحقُ إنَّ الحقَ الذي يتعرض للخطر أولا هو التعليم، فالعقد لا يطرد الفتاة من المدرسة بنص قانوني، لكنه قد يعيد ترتيب يومها كله ضد استمرارها فيها، تصبح مطالبة بواجبات منزلية لا تناسب وقت الدراسة، وقد يضاف إليها حمل مبكر، أو بعد المسافة، أو رفض الزوج، أو حرج اجتماعي داخل المدرسة، وعندئذ لا يكون الانقطاع اختيارًا دراسيًا حرًا، بل نتيجة لتعارض أدوار فُرض قبل أوانه، ثم يتبع ذلك ضعف التأهيل المهني وقلة فرص العمل والتبعية الاقتصادية، فتضيق قدرة الفتاة على اتخاذ القرار أو الخروج من علاقة مؤذية، وهكذا لا يسقط حق واحد منفردًا، بل يجر معه حقوقًا أخرى.

 

أما التقرير الطبي فلا ينبغي أن يتحول إلى شهادة مختصرة بأن الفتاة بلغت وأصبحت قادرة على الحمل، فالبلوغ البيولوجي يثبت إمكان الحمل، لا سلامته، ولا يثبت اكتمال النمو الجسدي أو الاستعداد النفسي لتحمل العلاقة الزوجية والأمومة. والقاضي ليس طبيبًا ولا اختصاصي نفس أو باحثًا اجتماعيًا، لذلك لا تكون رقابته فاعلة إلا إذا استندت إلى تقارير مستقلة وجادة، تفحص الصحة الجسدية والنفسية والظروف الأسرية، وتكشف الضغط أو العنف، بدل أن تجعل الإجراء الطبي بوابة شكلية لعبور الطلب.


وقد أدرك قانون مناهضة العنف الأسري في إقليم كوردستان رقم ٨ لسنة ٢٠١١ خطورة المسألة، فأدرج زواج الصغار والزواج بالإكراه ضمن صور العنف الأسري، ودلالة ذلك أن الغطاء العائلي لا يحول الإكراه إلى رضا، ولا يجعل الضرر شأنًا خاصًا مغلقًا،ومع ذلك يجب أن تتجه الحماية إلى الفتاة، لا أن تتحول هي إلى متهمة أو سبب للفضيحة، فيُفتح لها طريق آمن للشكوى والإيواء المؤقت عند الحاجة والدعم النفسي والقانوني، بينما تتجه المساءلة إلى من ضغط عليها أو استغلها أو تحايل على إجراءات المحكمة.


وهذا التصور لا يصادم حماية الأسرة، بل يعيدها إلى معناها الصحيح. فالدستور العراقي قرر حقوق الأولاد في التربية والرعاية والتعليم، وحظر استغلال الأطفال، وألزم الدولة بحمايتهم، وكفل الضمان الاجتماعي والصحي، وجعل التعليم الابتدائي إلزاميًا، وفي المنظور الشرعي أنَّ الزواج ميثاق غليظ كما نصّ عليه القرآن ( وأخذْنَ مِنكمْ ميثاقاً غليظاً) وغايته السكن والمودة والرحمة، فلا تتحقق هذه المعاني بعقد يستوفي شكله ويفقد مقصده، كما أن المصلحة لا تقتصر في كلمة "السترة" ولا في الخوف من حديث الناس، بل تُقاس بصيانة النفس والعقل والكرامة، وبقدرة الفتاة على أن تعيش الزواج شريكة لا تابعة عاجزة عن حماية نفسها.


والاستجابة الجادة تبدأ قبل وصول الطلب إلى المحكمة. فعلى المدرسة أن تتعامل مع انقطاع فتاة قاصر بوصفه إشارة تستحق التحقق لا رقمًا جديدًا في سجل المتسربات، وعلى دوائر الرعاية الاجتماعية أن تدعم الأسرة الفقيرة حتى لا تصبح الابنة وسيلة لتخفيف العبء، وعلى المحكمة أن تشترط مقابلة سرية وتقارير طبية ونفسية واجتماعية مستقلة وخطة واقعية لاستمرار التعليم، وأن تلاحق عقود الزواج الخارجي من دون تحميل القاصر تبعة فعل الكبار، كما ينبغي نشر بيانات دورية عن طلبات الإذن وأعمار المتقدمات وأسباب القبول والرفض ومآل التعليم، لأن السلطة التقديرية لا تُراجع بالشعارات، بل بوقائع تكشف إن كان الاستثناء بقي استثناءً أم أصبح طريقًا موازيًا للقاعدة.


وثيقة الزواج تغيّر الصفة المدنية في لحظة، لكنها لا تمنح النضج، ولا تعوض سنوات التعليم، ولا تخلق قدرة اقتصادية أو نفسية لم تكن موجودة، لذلك لا نريد حماية الفتاة من الزواج، بل حماية حقها في أن تدخل إليه حرة، واعية، قادرة، وفي سن لا يبتلع فيها العقد بقية حقوقها. فالأسرة لا تُصان باختصار طفولة أحد أفرادها، والقانون العادل لا يكتفي بصحة العقد، بل يضمن أن الإنسان الذي سيحمل آثاره لم يكن هو الثمن المدفوع لإرضاء الفقر أو العرف أو الخوف من كلام المجتمع.